تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 645

مساهمون:

ص٦٤٥
أمواجها وخشيشها في الهواء متخذة ذلك بمثابة اختبار لدروس الحكمة التي تلقيتها ، ماذا أقول عن أولئك الناس الذين يدخلون إلى قاعات المراقص فتأخذهم نشوة الحظ والسرور من ضياء القناديل والشموع المتلألئة فيها ومن لمعان الثريات وأنوارها المنعكسة ، ولكنهم لا يعلمون شيئا من أسباب هذا الحظ ولا يفقهون ماهية تلك الأشياء التي تبعثهم على هاتيك المسرات ، لعمري إنهم لو أحاطوا علما بها لتمثلت لهم فيها حكمة اللّه بأجلى بيان ، ولازدادوا اندهاشا بقدرته وقوّته التي حيرت بني الإنسان ، ولاشتغلوا بذكره وتسبيحه أكثر من اشتغالهم بالملاهي ، نعم إنني أرى فرقا بين الحجارة الماسية التي أصفها وبين حجارة الثريات العلوية وعندي أن هذا الفرق إنما هو ناشئ عن الحجارة الماسية بواسطة انعكاس ضياء القناديل والشموع عليه تمثل للعيان الألوان السبع الأصلية بمنتهى الرقة واللطف والظرف ما لا يوجد في الحجارة البلورية ، ويشهد اللّه أنني لا أنظر إلى النساء في تلك الليالي نظرة الحاسدة لجمالهن الباحثة عن قصورهن الراغبة في كشف عيوبهن بل ربما كنت أدقق في أكثرهن جمالا وفي أخلاق أطوار الفتيات المعصومات لأنقش هذا الجمال وهاته الأطوار في مخيلتي وأتخذ الخيال الذي أرسمه قاعدة أتصوّرها في كل وقت . إنني أدخل إلى قاعات الميسر في المراقص وأتفرج على الألعاب ولكن لا لأحسد الذين يربحون ، ولا لتأخذني الشفقة على من يخسرون لأنهم إنما يخسرون أموالهم بطيبة خاطر منهم ، بل أدخلها لأنظر مع التعجب تلاعب هذا المعدن الأصفر بالألباب واستهزاءه بأولئك الذين ينفقونه جزافا على مذابح شهواتهم ، كأن لا قيمة له مع أنهم لم يجمعوه إلا بشق الأنفس ، لم يجمعوه إلا بعرق الجبين ، لم يجمعوه إلا بالمتاعب والمشقات التي تقرض العظم قبل اللحم ، لم يجمعوه إلا بإهراق الدماء ، فهم يلعبون به لكن بعد أن يلعب بألبابهم وأرواحهم وشرفهم ، أليس من موجبات الدهشة والاستغراب أن أولئك الذين يتلفون أنفسهم في سبيل الحصول على واحد من هذا المعدن يستبدلون تعبهم ويعتاضون عن مشاقهم بساعة من الحظ ما من شيء جرى بالفرجة أكثر من مناظر الجمعية في المراقص وليالي الأفراح والتدقيق بنظر الأفراد المجتمعين الذين يتبادله كل منهم بل ما من لذة تضاهي لذة مشاهدة الأنظار التي يتسارقها الفتيان العشاق الذين يرهبون من آبائهم ويتحببون أمهاتهم ويتضايقون في الازدحام فإن العيون وهي منافذ القلوب تغني عن لسان المقال ، أما إذا اجتمع
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 645 | زينب فواز العاملي / منى محمد زياد الخراط