والهواء كان يهب صحيحا فيعود عليلا بأرجاء الأزهار ، وكانت السماء صافية والأفق خال من الكدورة ، فكنا لا نعرف أين نوجه الأنظار في تلك الليلة البديعة أنوجهها إلى البحر الذي كان صفيحة من لجين أم نوجهها إلى الأجرام السماوية التي كانت تلمع وتضيء في ذلك الفضاء عيانا كغادة حسناء ألقت عنها حجابها ؟ أم نوجهها إلى البدر المنير الذي كان يفوق عليها ضياء ونورا ولألأة ؟ أم نوجهها إلى الحصى الصغيرة التي كانت تلمع وتبرق في الجنينة من انعكاس نور البدر فتمثل دمالج من ألماس تلمع في زنود الحسان ؟ لا جرم أن تلك المناظر كانت تحير المرء فلا يهتدي إلى أحسنها سبيلا ، على أن المادام قد وجهت أنظارها إلى العلاء فأرسلت عينيها في فضاء السماء ، وكانت هذه الخاتون العالمة بفن الهيئة والهندسة قد طبقت دروسها على خريطة العالم بما استفادته تلك الليلة من لمعان السماء فبعد سكوت مستطيل صرفته في النظر إلى هاته المناظر التفتت إليّ قائلة :
هل لك إلمام بفن الهيئة ؟
قلت : قليل جدا .
قالت : أيمكن لك أن تري كوكب القطب الشمالي ؟
قلت : نعم إن رأس الدب الأصغر يرى من ورائنا .
قالت : أيمكن لنا تفريج الأبراج ؟
قلت : إن القمر بدر كثير اللمعان وفي ظني أن ذلك متعذر علينا ، وعلمي في هذا الفن ناقص جدا فهل لك أن تلذي سمعي ببعض التفصيلات ؟
قالت : أجل مع المنة .
ثم أخذت المادام تنقل لي أسماء السيارات ووضعيتها ، ودوراتها ، وأبعادها ، وتبدلات أشكالها بصورة بالغة حدّ الإتقان والكمال في بسط النقل وحسن البيان ، حتى دهشت لتلك القوّة الحافظة التي وهبتها لأنها مهما حصل المرء من العلم والمعرفة فليس من السهل أن يحفظ في ذهنه أبعاد النجوم عن بعضها ويذكره بتدقيق تام ، وكانت تروي لي بإيضاح وتفصيل أقوال الفلاسفة والحكماء المتعلقة بفن الهيئة ، ومقدار ما تغلب عليهم من تغير الأفكار والآراء وكيف أن المتأخرين قد جرحوا أقوال من تقدمهم ، وكيف أن الذين جاؤوا
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 643
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٦٤٣