على إثر هؤلاء المتأخرين قد عادوا إلى تصويب واستحسان كلام الأوّلين ، والتصديق عليه ، وتشرح شرحا مستوفيا عن أوضاع النجوم والسيارات ومع أن المادام كانت في المحاورات الأولى تلقى عليّ كثيرا من الأسئلة فصرت الآن أسألها عن عدة أشياء ، أما هي فإنها بعد إذ لم يبق في كنانة علمها منزع ولم تضنّ عليّ بإيضاح وبيان ما حوّلت نظرها إلى جهة البحر ، وأخذت تشرح لي بتفصيل عن عكس القمر في البحر وعن كيفية ضيائه وأسباب لمعانه ثم وجهت نظرها إلى الجنينة وصارت تبحث في المعادن والنباتات وتأتي عليها بما يحتاج إليه المقام من الإيضاحات ، وكانت تتكلم عن هذه الفنون بلذة تفوق لذة العاشق الذي يتحدّث بذكر عشيقته وتظهر على سيماها آثار الرقة واللّطف بادية فيها دلائل الكياسة والظرف ، ولا غرابة في ذلك لأنها إنما كانت تتحدّث بذكر العلوم الحكمية التي كانت تعشقها وبعد هنيهة ألقت نظرها على الأشجار الكبيرة ، وكانت تخمن مقادير أعمارها ، فقلت لها : إنني سأريك شجرة معمرة أكثر من أشجار الفستق . ثم أخذتها بيدها حتى وصلت بها إلى شجرة ضخمة وأريتها إياها فتقربت إليها وبعد أن دققت فيها تدقيقا تاما ، قالت : أيتها السيدة ، إن هاته الشجرة هي أقدم من العثمانيين في الآستانة ، وهي باقية من زمن الأمبراطورية لأن وصولها إلى هذا الطول يحتاج إلى عدة أعصر .
ثم عدنا بعدئذ إلى الكشك فاستأنفت المادام حديثها العلمي وأخذت تلقي عليّ ضروبا من الحكمة ، ثم قالت : أخشى أن أكون أورثت لك مللا بكلامي في هذا الموضوع ولكن ما حيلتي وأنا أرى في مثل هذه المحاورات لذة مزيدة .
قلت : ماذا تقولين أيتها المادام إنني كثيرا ما كنت أودّ أن أبين شكري لما استفدته في هذه الليلة من ألفاظك البليغة ، وعلومك العالية ، إلا أنني خشية من قطع الحديث عليك توقفت عن تأدية الشكر بل لم أتجرّأ أن أبديه فأنا أهنئك بهذه المنزلة العلية ، وأشكر لك عنايتك فقد استفدت بآدابك كثيرا .
قالت : أنا أطوف الجهات وأذهب إلى المراقص وليالي الفرح والمسرات ولا أحب الخروج عن دائرة العادات لكن لا بنية إظهار زينتي وعرض نفسي على الأنظار كما تفعل أكثر النساء ، ولا أكتسي بالألبسة الحريرية الرفيعة الأثمان بقصد العظمة والافتخار ، وإنما ألبسها لأجل أن يلتذ سمعي بصدى اهتزاز
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 644
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٦٤٤