الطعام إجابة لسؤالها فكان مؤلفا في ذلك المساء من اللحم والسمك وكانا مطبوخين على النّسق الإفرنجي ، وكان ثم دجاج جركسي ، وكشك الفقراء المعروف في البلاد العربية وشيخ المحشي والباذنجان بالزيت ، وكنت أترجم للسيدات اللاتي على المائدة كلام المادام ، وكانت الغرفة التي تناولنا فيها الطعام قائمة في الطابق العلوي من المنزل وعلى طرف الجنينة ، وكان لها باب كبير بمصراعين يفتحان على جنينتنا فبعد إذ نهضنا عن المائدة لم نعد إلى القاعة وإنما أرسلنا كرسيين إلى الجنينة من الباب المطل عليها قصد أن نروّح أنفسنا بعبير الزهر التي كانت تتضوع كأريج المسك ، وتناولنا القهوة هناك وكان القمر بدرا في اليوم الرابع عشر ، يرسل أشعته فينير ظلمات الأرض والهواء كان عليلا لطيفا جدا ، وبعد إذ انتهينا من شرب القهوة تبادلنا مناولة الأذرع وتفرقت جمعيتنا التي كانت مؤلفة من طبقات متفاوتة في السن في أطراف الجنينة العريضة الواسعة ، وكانت تجتمع أحيانا لمبادلة بعض الكلمات ثم تفترق ذهابا وإيابا .
أما جمعيتنا فكانت مؤلفة من خمس وهن : المادام وهذه العاجزة وثلاثة أفراد العائلة ، وكان أكثر جمعيتنا يتعاطين التدخين بالسيكارات يدخن بعد الإفطار بمزيد اللذة وكانت شرارات السيكارات تضيء وتلمع من خلال الأزهار والأشجار وكانت تلك الليلة من أحسن الصدف التي تتمناها المادام لأنها كانت جامعة عددا كبيرا من الأقارب وهو ما كانت تلك المادام تودّ مشاهدته . ولما أعيانا السير على القدمين دخلنا إلى كشك حجم القاعة محاط من أطرافه بالنوافذ والشبابيك وألقينا فيه عصا التسيار ، ثم أقبل سائر الخواتين ودخلنا إلى هذا الكشك وأخذنا معا بأطراف الحديث وقد جلست المادام وهذه العاجزة تجاه النافذة القائمة في الوسط ، وكانت المياه التي تتدفق من شلالات الحوض الكبير القائم بإزاء الكشك تطرب الآذان بأصوات خريرها وتكسرها وحبوبها المنتشرة في الحوض كقطع الماس تمثل منظرا لطيفا جدا ، وكان محل جلوسنا وموقعه جميلا للغاية ، فإننا فضلا عن مشاهدة الجنينة والحوض كنا نشاهد البحر من وراء الجنينة ، ولكن ما أدراك ما هو ذاك البحر إنما هو البحر الذي كان يتراءى للعين كأنه من صفائح الفضة واللّجين بما انتشر فوقه من أضواء النور المنبعثة من قمر الليل ، بل البحر الذي تغزلت به الشعراء فوصفوه بأشعارهم وصفا لا يحتمله المقام ، وكان في تلك الليلة ساكنا كل السكون
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 642
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٦٤٢