أما زيد بن حارثة فهو من قبيلة قضاعة أخذ أسيرا بينما كان صغيرا وبيع في مكة فاشترته خديجة ووهبته إلى الرسول الأكرم صلى اللّه عليه وسلم فأعتقه وتبناه وكان الناس يسمونه بزيد بن محمد ، وهو أحد الأربعة الذين آمنوا ابتداء وهم خديجة وأبو بكر وزيد وعلي ، وكان الرسول الأكرم صلى اللّه عليه وسلم يستخدم زيدا في أهم الأشغال ويوليه قيادة الجيش إلى أية جهة كان يرسل إليها الجند ، وجملة القول أن زيد بن حارثة كان مظهرا لحسن توجه الرسول الأكرم صلى اللّه عليه وسلم ، وكان من أعاظم الملة الإسلامية فزوّجه الرسول الأكرم صلى اللّه عليه وسلم بابنة عمته أي بزينب بنت أميمة بنت عبد المطلب غير أن زيد بن حارثة مع أنه كان عربي الأصل لم يكن قرشيا أما بنات قريش فلم يكن يعرفن أكفاء لهن في سائر القبائل خصوصا أولاد عبد المطلب فإنه يبحث لهن عن الأكفاء في أشراف قريش ، على أن زينب لو كانت مسرورة من زيد لوجب أن تكون متكدّرة من حيث إنه لم يكن كفئا لها كما أن زيدا أيضا أخذ يفتكر في تلك المسألة الدقيقة فحمل أطوار زينب العادية على الكبر والعظمة ، وهو أمر طبيعي كما لا يخفى ، فذهب ذات يوم إلى الرسول الأكرم صلى اللّه عليه وسلم وشكا إليه ما يراه من عظمة زينب بالنظر إلى قرابته منها ، وأنبأه أنه سيطلقها إذ بذلك يكون قد أنقذها من زوج غير كفء لها وخلص نفسه من عظمتها على أن الرسول الأكرم قال له ما معناه : « دع عنك هذا الفكر وخف اللّه إن المرأة لا تطلق لمثل هذه الأشياء » ، ومع هذا فإن زيدا لما أمكن أن يكون كفئا لمثل هذه السيدة الشريفة إلا صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وسلم فكان يمر بخاطره الرفيع وجوب الاقتران بها تطييبا لخاطرها ، وإحقاقا لحقوقها ، على أنه لم يكن يظهر ذلك لأن الشخص الذي كن يتخذ ولدا في ذلك الزمان كان عند الناس بمثابة الولد الحقيقي تماما ، فكانوا يزعمون بل يعتقدون أن من كان في مقام الأب لا يجوز له أن يتزوج بمطلقة من تبنّاه ، على أن الأحكام الشرعية لمثل هذه المسائل لم يكن حاصل التفصيل بوضعها إذ ذاك ، أما زيد فإنه بعد إذ أظهر أنه لم يعد يتحمل عظمة زينب ذهب إليها فطلقها ، وبعد أن انقضت عدّتها نزلت الآيات الكريمة بالوحي الإلهي في بيان الأحكام الشرعية ، وبموجب هذا الوحي الرباني تزوّج الرسول الأكرم صلى اللّه عليه وسلم ، وصدر الأمر بالتفريق بين الأولاد بالتبني ، وبين الأولاد الحقيقيين ، وأن ينتسب أولئك إلى آبائهم وبعد أن كان يدعى زيد بن محمد صار يدعى بزيد بن حارثة .
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 636
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٦٣٦