المسنّات اللاتي لا تهمهن الزينة ولا يعتنين بالأزياء ، ولكنني بعد أن تمكنت من معرفة ما دام ( ر ) . . . علمت أنها ليست من الجاهلات اللوات بيضت المطاحن شعورهن وإنما هي قد تلقت العلوم والفنون منذ سن الصّبا عن والدها الذي يعد من عشاق العلم والمعارف وأنها ما فتئت إلى الآن صارفة قصارى جهدها وجدّها إلى اقتباس الآداب ، فما وصلت إلى الثلاثين من عمرها حتى كانت قد صرفت معظمه في سبيل التحصيل وبلغت شأوا رفيعا في التهذيب ، وثبت عندي مما رأيته فيها من الميل والاجتهاد إلى الوقوف والاطلاع على جميع الأشياء أنها تعتقد بنفسها أنها لم تصل إلى الدرجة المطلوبة من العلم والمعرفة ، وأن ما تعرفه دون الطفيف ، وأن الطواحين لن تبيض شعرها الذي لا يزال غير مبيض ، ولا يمكن أن تصل أوقاتها بالبطالة ، وأنها ستصرف بقية عمرها في طلب المعارف وتحصيل للعلوم والفنون ، كما صرفته إلى هذا الوقت فكانت حرية بأن يطلق عليها اسم الفاضلة .
وأما إتقانها للزينة وتغاليها في الكسوة وترتيب شعرها فلم يكن إلا لأجل المحافظة على شرف اسمها وعنوانها بين قريناتها ، ولكي لا يمزق عرضها الناقدون وينسبون إليها الخسة والبخل مع ما هي عليه من الثروة العظيمة ، والغريب أن هذه المادام ليست من النساء اللاتي يحملهن جمالهن على الكبر والغرور فإنها كانت كأنها لا تعرف هذا الجمال ولا تنظر إليه بل لا تهتم به وإنما كانت تنظر إلى جمال طبيعتها وأخلاقها ، وأغرب من ذلك أن هاته الحسناء التي هامت بالعلم وتيمها عشقه ، ولم يكن في قلبها أدنى فراغ يسع غيره قد اقترنت برجل هو في سن والدها لأنها قد سلبت بعلمه وعشقت فضله ، وكان هذا الزوج العالم واسع الثروة فتمكنت بواسطة ذلك من تحصيل سائر العلوم ووقفت على جملة أشياء ولما كانت راغبة في أن تشرك حاسة النظر بحاسة الإدراك وأن تشاهد بأم رأسها ما درسته من الفنون وما اطلعت عليه من سائر آداب وآثار الدنيا أخذت تطوف في كل جهة من العالم بصورة لائقة بمركزها قصد التسوّح والتفرج على آثار الكون .
وكانت هذه المادام تحمل مروحة جميلة جدا قد سلمتها مع ردائها إلى الجارية وهذه المروحة من المراوح ذات القيمة التي تحملها أكبر المادامات لا لأجل رفع الحر وترطيب الهواء ولكن لأجل إظهارها للناس وبيان قيمتها وغلاء
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 625
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٦٢٥