قالت : يا عجبا ما هذا القول إن اليهود يقولون نحن صلبناه ونحن نقول :
نعم إنهم صلبوه أليس مما يوجب النظر أن دينا يأتي بعد ستمائة سنة يكذب الطرفين ؟
قلت : ليس في هذه المسئلة عند المسيحيين من رواية وصلت إليهم بلا انقطاع من تبع يتعلق بهم توا ، وإنما أخذوا الشيء الذي سمعوه من اليهود فقبلوه ، فالإسلامية والحالة هذه لا تجرح رواية النصارى على الإطلاق وإنما هي تجرح رواية اليهود ، لأنه من المعلوم أن اليهود أخذوا سيدنا عيسى عليه السلام ليلا إلى أحد البيوت وإذ ذاك تفرق الحواريون بأجمعهم ، على أنه وإن كان أحدهم قد ذهب من خلفه حالة كونه كان بعيدا عنه إلا أن هذا أيضا قد ذهب بحال سبيله حينما أدخلوا حضرة سيدنا عيسى عليه السلام إلى ذلك البيت ، ولم يطلع أحد على ما حصل في الداخل ، وقد كان في ذلك اليوم أشخاص أخر حكم عليهم بالإعدام فمن اشتداد الظلمة ظن أنهم أخذوا سيدنا عيسى والحال أنهم صلبوا شخصا شبّه به ، والحق سبحانه رفع سيدنا عيسى عليه السلام إلى السماء فهذا هو الحق الذي بلغناه .
وحينئذ تمت الصلاة فتقدمت المرطبات على جاري العادة وأخذنا في مداولة أحاديث الوداد وبعض النّوادر ، ثم إن المادام أوضحت لنا إذ ذاك أنها قد حصلت على المعلومات اللازمة من سياحتها ، واطلعت على أشياء كثيرة كانت تجهلها من قبل ، فشكرت لنا كل الشكر وحمدت ما رأته منا من الإكرام لها والعناية بها ، واشتركت الراهبة بالثناء أيضا مصرحة بامتنانها وسرورها مما رأته ، ووقفت عليه ، وكلاهما ودعتانا أحسن وداع وذهبتا ممتنتين شاكرتين .
المحاورة الثانية
بعد أسبوع واحد من اجتماعنا بتينك الضيفتين ، كما فصلنا ذلك في المحاورة الأولى أخذت كتابا ولما فضضت ختامه وجدت ضمنه رقعة زيارة وكتابا آخر مظروفا وقد خط رقعة الزيارة كلمات معناها أن مرسلتها تود أن تعلم ما إذا كان يمكننا قبولها في منزلنا أم لا وإذا أمكن ففي أي وقت يتسنى لها أن تزورنا . وبما أنني لم أعرف اسم المرسلة المومى إليها فضضت ختام الكتاب الثاني فعرفت توقيع صاحبته ، وهي ما دام من معتبري السواح كانت جاءت منذ السنة الماضية إلى دار السعادة واجتمعت بها في منزلنا وقد ذكرت