من مخاطبة والديها ، فتأخذ في مخابرة الفتيات اللاتي ينبئنها عن المستقبل الذي يبسم لها وتتذمر مشتكية من الإهمال الواقع في إرسالها ، ومن ههنا يتضح جليا أيتها المادام أن هذا الوالد وهاته الوالدة يرسلان ابنتهما إلى البلدة التي ينتظرها بها خاطبها ، ولكن هو الخاطب الذي يقبل بنتهما بلا جهاز ولا يكلفهما نفقات ، وفضلا عن ذلك فإنه الخاطب الذي يهيل عليها من سائر أنواع الحلي والمجوهرات . وأما الابنة فإنها تنفصل عن أبيها وأمها وذوي قرباها لتبحث لهم عن السعادة والمستقبل الذي ينتظرونه منها ، ولكن كيف تنفصل إنها تنفصل بشجاعة وبسالة تدل على أنها تخاطبهم بلسان حالها قائلة لهم : إنني لا أحملكم ثقلة في إيجاد زوج لي ، وإنما سأجده بنفسي ، فانظروا كيف أنني سأفيكم حقوقكم وعنايتكم بي حتى بلغت هذا الطول بصورة تظهر بها العظمة وعزة النفس . وما ينطقها بهذه الأقوال إلا الأمنية والثقة بأنها بواسطة جمالها المنصوب مثاله في المرآة ستحصل على الزوج الذي تريده والسعادة التي ترغب فيها ، والمفهوم أيتها المادام أنهم إذا لم يرسلوها أصبحت في ذلك الوقت عدوة لعائلتها ، ثم نأتي الآن للبحث بالفتيات غير الجميلات ، فهؤلاء لما كن محرومات من آمال أولئك الجميلات ، من حيث إنهن لم ينلن الأمنية والثقة في النظر إلى مرآة وجوههن بينا يكن مأيوسات من حالتهن واضطرارهن إلى صرف العمر والسعي والاهتمام والخدمة في بلادهن ، إذ تتوارد عليهن الرسائل من بنات أعمامهن وأخوالهن غير الجميلات مثلهن اللاتي ذهبن إلى الآستانة فيقرأن في سطورها ما يفيد أنهن متمتعات بالراحة ، وأنهن قد حصلن على الاستراحة التامّة لتملصهن من عذاب الخدمة ، والاهتمام بحرث وفلاحة الأراضي ، ثم يتبين لهن من الرسائل التي يأخذنها بعد ذلك أن الجارية التي قامت بخدمتها قد أخذ لها سيدها منزلا مكافأة لها على صداقتها ، وزوّجها من رجل ملائم لها ، ثم متى وضعت طفلا ترسل إلى أهلها سلام هذا الطفل بمعنى أنها تلوّث أصابع الطفل بالحبر وترسمها في هامش الرسالة ، فتنوب هذه العلامة عن إهداء السلام ، ويظهر لهن من تلك الرسائل أن الجارية بعد زواجها لم تزل متمتعة بحماية سيدها وعنايته بها ، فتقع هذه الأنباء في قلوب البنات موقعا عجيبا إلى حد أنهن ينفرن من البقاء في منزلهن الذي شببن به ويصير في عينهن ظلاما ، وتتولد فيهن الكراهة من الأطعمة التي ألفنها ، وكانت لذيذة الطعم في أفواههن .
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 611
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٦١١