وأما عروة فإنه عزم أن لا يبيت الليل وقد علموا به ، فخرج فعاوده المرض فتوفي بواد القرى دون منازل قومه .
ولما بلغ عفراء وفاته قالت لزوجها قد تعلم ما بينك وبيني وبين الرجل من الرحم ، وما عندي من الوجد وإن ذلك على الحسن الجميل فهل تأذن لي أن أخرج إلى قبره فأندبه فقد بلغني أنه قضى ؟ قال : ذلك إليك ، فخرجت حتى أتت قبره فتمرغت عليه وبكت طويلا ثم أنشدت :
ألا أيها الركب المجدّون ويحكم * بحق نعيتم عروة بن حزام
فإن كان حقا ما تقولون فاعلموا * بأن قد نعيتم بدر كل ظلام
فلا لقي الفتيان بعدك راحة * ولا رجعوا عن غيبة بسلام
ولا وضعت أنثى تماما بمثله * ولا فرحت من بعده بغلام
وما إن بلغتم حيث وجهتم له * ونغصتم لذات كل طعام
ولما فرغت من شعرها ألقت نفسها على القبر فحركت فوجدت ميتة ، فدفنت إلى جانبه فنبت من القبرين شجرتان حتى إذا صارتا على حدّ قامة التفّتا فكانت المارة تنظر إليهما ولا يعرفان من أي ضرب من النبات ، وكثيرا ما أنشدت فيهما الناس ، فمن ذلك قول الشهاب محمود :
باللّه يا سرحة الوادي إذا خطرت * تلك المعاطف حيث الرّند والغار
فعانقيهم عن الصّب الكئيب فما * على معانقة الأغصان من عار
وكان وفاتها في عاشر شوال سنة 28 للهجرة .
ومن قول عفراء :
عداني أن أزورك يا خليلي * معاشر كلهم واش حسود
أشاعوا ما علمت من الدواهي * وعابونا وما فيهم رشيد
فأما إذ ثويت اليوم لحدا * فدور الناس كلهم اللحود
فلا طابت لي الدنيا مذاقا * لبعدك لا يطيب لي العديد
ومن محاسن شعر عروة قصيدته النونية التي أولها :
خليلي من عليا هلال بن عامر * بصنعاء عوجا اليوم وانتظراني
ولا تزهدا في الأجر عندي وأجملا * فإنكما بي اليوم مبتلياني