المأمون أمسكي فأمسكت ثم أقبل على الندماء ، فقال : من فيكم أومأ إلى عريب بقبلة واللّه لئن لم يصدق لأضربنّ عنقه . فقام محمد بن حامد فقال : أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها والعفو أقرب للتقوى . فقال : قد عفوت . فقال :
كيف استدل أمير المؤمنين على ذلك ؟ قال : ابتدأت صوتا وهي لا تغنى ابتداء إلا لمعنى فعلمت أنها لم تبتدئ بهذا الصوت إلا لشيء أومئ به إليها ولم يكن من شرط هذا الموضع إلا إيماء بقبلة فعلمت أنها أجابت بطعنة .
ومن شعرها في محمد بن حامد .
ويلي عليك ومنكا * أوقعت في الحقّ شكّا
زعمت أني خؤن * جورا عليّ وإفكا
فأبدل اللّه ما بي * من ذلة الحب نسكا
وأخبر بعضهم أنها كانت تتعشق أبا عيسى بن الرشيد ، وروى غيره أنها ما عشقت أحدا من بني هاشم أصفته المحبة من الخلفاء أولادهم سواه ، وكانت لا تضرب المثل إلا بحسن وجه أبي عيسى وحسن غنائه .
وروي أن عريب كانت تتعشق صالحا الخادم وتزوّجته سرا فوجه به المتوكل إلى مكان بعيد في حاجة له فقالت :
أمّا الحبيب فقد مضى * بالرغم عني لا الرضا
أخطأت في تركي لمن * لم ألق منه معوّضا
قال : فغنته يوما بين يدي المتوكل فاستعاده مرارا .
ودخلت عليها إحدى جواري المتوكل فقالت لها : تعالي إليّ فجاءت ، فقالت قبلي هذا الموضع مني فإنك تجدين ريح الجنة وأومأت إلى صدغها ، ففعلت ثم سألتها عن السبب في ذلك قالت : قبلني صالح المنذري في هذا الموضع .
وقال عبد اللّه بن حمدون : إن عريب زارت محمد بن حامد ذات يوم وجلسا جميعا للمنادمة ، فجعل يبث شوقه إليها ويعاتبها على بعض أشياء فعلتها ، ويقول لها : فعلت كذا وكذا . فالتفتت إليه وقالت : يا هذا أرأيت مثل ما نحن فيه ، ثم أقلبت عليه وقالت : يا عاجز دعنا الآن في انشراحنا ، وإذا كان الغد فاكتب لي بعتابك ودع الفضول فقد قال الشاعر :