وقيل : إن المأمون كان يحبها الحب المفرط .
وقال أبو العباس بن الفرات : قالت لي تحفة جارية عريب : كانت عريب تجد في رأسها بردا فكانت تغلف شعرها مكان الغسلة بستين مثقالا مسكا وعنبرا وتغسله من الجمعة إلى الجمعة فإذا غسلته أعادته كما كان وتقسم الجواري غسالة رأسها بالقوارير وما نسرحه منه بالميزان .
وروي عن علي بن يحيى أنه قال : دخلت يوما على عريب مسلما عليها فلما جلسنا هطلت السماء بالأمطار فقالت أقم عندي اليوم حتى أغنيك أنا وجوراي وابعث إلى من أحببت من إخوانك قال : فأمرت بدوابي فردّت وجلسنا نتحدث فسألتني عن خبرنا بالأمس في مجلس الخليفة ومن كان يغنينا وأي شيء استحسنا من الغناء فأخبرتها أن صوت الخليفة كان لحنا صنعه بنان فقالت : وما هو ؟ فأخبرتها إنه في هذه الأبيات :
تجافى ثم تنطبق * جفون حشوها الأرق
وذي كلف بكى جزعا * وسفر القوم منطلق
به قلق يململه * وكان وما به قلق
جوانحه على خطر * بنار الشوق تحترق
قال : فوجهت رسولا إلى بنان فحضر من وقته وقد بلته السماء فأمرت بخلع ملابسه وألبسته ملابس فاخرة وقدّم له طعام فأكل وجلس يشرب معنا وسألته عن الصوت فغناه مرارا فأخذت دواة وقرطاسا وكتبت :
أجاب الوابل الغدق * وصاح النّرجس الغرق
وقد غنى بنان لنا * جفون حشوها الأرق
فهات الكاس مترعة * كأن حبابها حدق
قال علي بن يحيى : فما شربنا بقية يومنا إلا على هذه الأبيات .
وقال الفضل بن العباس بن المأمون : زارتني عريب يوما ومعها عدّة من جواريها ، فوافتنا ونحن في شرابنا فتحادثنا ساعة وسألتها أن تقيم عندنا باقي يومها فأبت وقالت : قد دعاني جماعة من إخواني من أهل الأدب والظرف وهم مجتمعون في جزيرة المؤيد فيهم إبراهيم بن المدبر وسعيد بن حميد ويحيى بن عيسى ، وقد عزمت على المسير إليهم . قال فحلفت عليها بالإقامة