فغنّته فجاءت به كأحسن ما سمع بأحلى لفظ وأشجى صوت ، ثم قالت لها : خذي أيضا من قول نصيب عافاه اللّه :
أرق المحب وعاده سهده * لطوارق الهمّ التي ترده
وذكرت من رقّت له كبدي * وأبى فليس ترق لي كبده
لا قومه قومي ولا بلدي * فنكون حينا جيرة بلده
ووجدت وجدا لم يكن أحد * من أجله بصبابة يجده
إلا ابن عجلان الذي تبلت * هند ففات بنفسه كمده
قال : فجاءت به أحسن من الأول فكدت أطير سرورا ثم قالت : ويحك خذي أيضا قوله :
فيا لك من ليل تمتعت طوله * وهل طائف من نائم متمتع
نعم إن ذا شجو متى يلق شجوه * ولو نائما مستعتب أو مودّع
له حاجة قد طالما قد أسرّها * من الناس في صدر بها يتصدع
تحملها طول الزمان لعلها * يكون لها يوما من الدهر منزع
وقد قرعت في أم عمرو لي العصا * قديما كما كانت لذي الحلم تقرع
قال نصيب : فجاءني واللّه شيء حيرني وأذهلني طربا لحسن الغناء وسرورا باختيارها لشعري وما سمعت فيه من حسن الصنعة وجودتها وإحكامها . ثم قالت لها : خذي من قوله أيضا :
يا أيها الركب إني غير تابعكم * حتى تلموا وأنتم في ملمونا
فما أرى مثلكم ركبا كشكلكم * يدعوهم ذو هوى أن لا يعوجونا
أم خبروني عن داء بعلمكم * وأعلم الناس بالداء الأطبونا
قال نصيب : فو اللّه لقد زهوت بما سمعت زهوا خيل لي أني من قريش وأن الخلافة لي .
ثم قالت : حسبك يا بنية هات الطعام يا غلام فوثب الأحوص وكثير وقالا : واللّه لا نطعم لك طعاما ولا نجلس لك في مجلس فقد أسأت عشرتنا واستخففت بنا وقدّمت شعر هذا على شعرنا ، وأسمعت الغناء فيه ، وإن في أشعارنا لما يفضل شعره ، وفيها من الغناء ما هو أحسن من هذا .