بالدخول عليه فأذن لهنّ ، فلما دخلن نظرن إلى النبيذ مصفى في قنانيه فقالت إحداهن : هو خمر ، وقالت الأخرى : هو زبيب وعسل ، وقالت الثالثة : هو نقيع زبيب . فقال : لست بقائل لكن حرفا أو تطعمن من طعامي وتشربن من شرابي فأمسكن ساعة ثم قالت إحداهن : ما عليكن من ذلك فأقمن يومهن وأكلن من طعامه وشربن من شرابه وأخذن من شعره وبلغ ذلك الحسن البصري فعابه فبلغ بشارا كلامه وكان بشار يلقب الحسن البصري بالقس فقال :
لما طلعن من الرقي * ق عليّ بالبردان خمسا
وكأنهنّ أهلة * تحت الثياب رفقن شمسا
باكرن طيب لطيمة * وغمسن في الجاديّ غمسا
فسألنني من في البيو * ت فقلت : ما يحوين إنسا
ليت العيون الناظرا * ت طمسن عنا اليوم طمسا
فأصبن من طرف الحدي * ث لذاذة وخرجن ملسا
لولا تعرّضهنّ لي * يا قسّ كنت كأنت قسّا
« 319 » - العبادية جارية المعتضد بن عباد والد المعتمد
أهداها إليه مجاهد العامري ، وكانت أديبة ظريفة كاتبة ذاكرة لكثير من اللغة ، فصيحة العبارة ، لطيفة الإشارة ، حاضرة الرواية ، قريبة النادرة ، لها إلمام تام بضروب الغناء ، وكان يميل إليها المعتضد ميلا شديدا ويشغف بها شغفا زائدا حتى إنها ألهته عن بعض أموره .
وكانت من توقد قريحتها وحضور بديهتها ترتجل الشعر والأمثال ، ومن ذلك أنها كانت نائمة ذات يوم وكان المعتضد سهران فدخل عليها وهي نائمة فقال :
تنام ومدنفها يسهر * وتصبر عنه ولا يصبر
فأجابته بديهة بقولها :
لئن دام هذا وهذا له * سيهلك وجدا ولا يشعر
هامش
( 319 ) - أعلام النساء 3 / 227 .