الجمحي المعروف بأبي دهبل ، وكان شاعرا جليلا فجعل يسارقها النظر ، وجمرات الوجد تتأجج بفؤاده قاذفة بالشرر ، وكان الوقت هجّيرا والجواري رافعات عنها الأستار ، ففطنت له فذعرته وشتمته كثيرا ثم أمرت بالسجوف فحجب بظلامها شمس النهار ، فقال :
إني دعاني الحين فاقتادني * حتى رأيت الظبي بالباب
يا حسنه إذ سبّني مدبرا * مستترا عني بجلباب
سبحان من أوقفها حسرة * صبّت على القلب بأوصاب
يذود عنها إن تطلبتها * أب لها ليس بوهاب
أحلها قصرا منيع الذّرى * يحمى بأبواب وحجاب
فشاعت أبياته في مكة واشتهرت وغني بها حتى سمعتها عاتكة إنشادا وغناء فطربت لها وسرّت ، وبعثت إليه تهديه فتراسلا وتحابا ولما صدرت عن مكة خرج في ركبها إلى الشأم فكانت تتعاهده باللّطف والإحسان حتى إذا وردت دمشق ورد معها فانقطعت عن لقائه فمرض حتى عزّ شفاء دائه فقال :
طال ليلي وبتّ كالمجنون * ومللت الثواء في جيرون
وأطلت المقام بالشأم حتى * ظن أهلي مرجحات الظنون
فبكت خشية التفرق جمل * كبكاء القرين إثر القرين
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوّا * ص ميزت من جوهر مكنون
وإذا ما نسبتها لم تجدها * في سناء من المكارم دون
ثم خاصرتها إلى القبة الخض * راء تمشي في مرمر مسنون
قبة من مراجل ضربوها * عند برد الشتاء في قيطون
عن يساري إذا دخلت من البا * ب وإن كنت خارجا عن يميني
ولقد قلت إذ تطاول سقمي * وتقلبت ليلتي في فنون
ليت شعري أمن هوى طار نومي * أم براني الباري قصير الجفون
ففشا هذا الشعر حتى بلغ معاوية فصبر حتى إذا كان يوم الجمعة دخل عليه الناس يسلمون وينصرفون وكان فيهم وهب فلما أزمع الرجوع ناداه معاوية حتى إذا خلا لهما الجوّ قال : ما كنت أحسب أن في قريش أشعر منك تقول :
ليت شعري أمن هوى طار نومي * أم براني الباري قصير الجفون