والأشغال اليدوية وجميع ما تختص به النساء من تطريز وغيره حتى فاقت بنات عصرها ، وهي مطيعة لوالدتها منقادة لكلامها ، وكانت تلك الوالدة تحني عليها ضلوع الرأفة والحنوّ إلى أن بلغت الثامنة عشرة من سنيها وكانت في مدينة إزمير امرأة متوسطة المقام ، وكان قد تركها زوجها منسحبا من بلده ولم تعلم أين ذهب وترك لها ولدا صغيرا ، ولكنه يضاهي البدر جمالا ، والغصن اعتدالا ، وما زالت منتظرة تربى ولدها إلى أن فرغ منها المال المدخر معها ولم تجد ما تقتات به هي وولدها ، وقد تواترت الأخبار عن وجود زوجها في مصر فأخذت ولدها وكان في سن الثالثة عشرة من سنيه وحضرت به إلى مصر لتبحث عن والده ، كما خلد في فكرها ، وقد نزلت بالأمر المقدور على السيدة مخدومة فتلقتها على الرحب والسّعة ، وفتحت لها في قلبها فضلا عن منزلها أعظم محل ، وكلمت شقيقها رائف باشا في أمرها فبحث عن زوجها فلم يعلم له خبرا ، ولما لم يجده أخذ الغلام وسلمه إلى إحدى المدارس الأميرية وكان رائف باشا عديم الولد لأنه لم يتزوّج أبدا إلى أن بلغ الثمانين من العمر ، وكانت شرفيه في ذلك الوقت لم تتجاوز الثامنة عشرة ، وكان محمد كمال في سنّ الثالثة عشرة وكانت شرفية ربعة القوام ممتلئة الجسم ، مستديرة الوجه ، واسعة العيون ، مقرونة الحواجب ، قمحية اللون ، جذابة خفيفة الروح ، سوداء الشعر والعيون تخلب لب من يراها .
وأما محمد كمال فإنه كان طويل القوام ، نحيل الجسم ، أبيض اللون ، أشقر الشعر أزرق العيون ، مستدير الوجه يميل دمه إلى الخفة مع أنه قل من كان بهذا الشكل أن يستحصل على هذا الجاذب .
ولما دخل إلى منزل سعيد قبودان صارت شرفية تعتني بأمره كل الاعتناء من ملبس ومأكل وكل ما يلزم له وجميع احتياجاته ، وكانت والدتها تنظر إليها بعين الاستغراب وتفكر في أمرها وانشغالها بأمر هذا الغلام ولكنها تراجع نفسها عن الظنون في ابنتها لأنها ترى أن الغلام صغير جدّا ليس أهلا لأن تحبه بنت ثمانية عشرة سنة ، وليس هو ممن يحب وهو في هذا السن ، ولما دخل المدرسة وبعد عن شرفية كثرت عليها الأفكار وصارت تحب الخلوة بنفسها ، ولكنها لم تضيع أوقاتها بدون أن تشتغل بشيء يعود نفعه على الغلام مثل خياطة ملبوس وغيره مما يلزم له ، وكان لا يأتي إلا في كل ليلة جمعة على
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 425
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٤٢٥