معشر المهاجرين على المضض ، فكان قد اندمل الشتات والتأمت كلمة الحق ودمغ الحق الظلمة ، فلا يجهلن أحد ، فيقول : كيف وأني ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا الآن آن الأوان خضاب النساء الحناء ، وخضاب الرجال الدماء ، ولهذا اليوم ما بعده ( والصبر خير في الأمور عواقبا ) إيها لحرب قدما غير ناكصين ولا متشاكسين ، ثم قال لها : واللّه يا زرقاء لقد أشركت عليا في كل دم سفكه قالت : أحسن اللّه شاركتك ، وأدام سلامتك مثلك من يبشر بخير ويسر جليسه .
قال : أو يسرك ذلك ؟ قالت : نعم واللّه لقد سررت بالخبر فأنّى لك بتصديق الفعل . فضحك وقال لها : واللّه لو فاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته اذكري حاجتك قالت : يا أمير المؤمنين آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا ثم انصرفت وبعد ذلك أرسل لها معاوية جائزتها .
« 240 » - زرقاء اليمامة ابنة مرة الطسمي
هي أخت رياح بن مرة ، كانت حادة البصر ليس على وجه الأرض أبصر منها وكانت تبصر الراكب على مسيرة ثلاث ليال ، فلما أغار على قومها الملك حسان أحد ملوك اليمن ، وكان أخوها مع القوم وذلك في خبر طويل ، وحين قربوا من اليمامة حذرهم رياح من أخته وأخبرهم بأنها تنظر الراكب من مسيرة كذا ميلا وأمرهم أن يقلعوا الشجر وكل شخص يحمل أمامه شجرة ففعلوا ، ثم ساروا ولما أشرفت من منظرها قالت : يا جديس لقد سارت إليكم الشجرة قالوا لها : ما ذاك ؟ قالت أشجار تسير وراءها شيء وإني لأرى رجلا من وراء شجرة ينهش كتفا أو يخصف نعلا . فكذبوها وكان ذلك كما ذكرت فغفلوا عن أخذ أهبة الحرب ففي ذلك تقول الزرقاء لجديس تحذرهم .
إني أرى شجرا من خلفها بشر * فكيف يجتمع الأشجار والبشر
سيروا بأجمعكم في وجه أوّلهم * فإن ذلك منكم فاعلموا الظفر
فلم يسمعوا لها وهجم عليهم الملك حسان بحمير فأفناهم وشتّت شملهم .
هامش
( 240 ) - أعلام النساء 2 / 34 ، الأغاني 11 / 38 ، دائرة معارف البستاني 9 / 218 ، المنجد في الأدب والعلوم : 233 ، شاعرات العرب : 74 ، الكامل للمبرد : 712 .