وهو مع ذلك لا يلتفت إليها بعينه حياء من ربه ، ولا ينظر إليها حتى تكاثر همها ودق عظمها وكابدتها الشجون وواصلها النحول ، فلما عيل صبرها وضاق صدرها دخلت حاضنتها ، فقالت لها : يا سيدتي أرى غصنك ذابلا وجسدك ناحلا وقلبك مائلا ! فقالت لها : وكيف لا وأنا أخدم هذا الغلام منذ سبع سنين ألاطفه بلساني وأتحبب إليه بإحساني ، وكلما زدت ميلا إليه زاد إعراضا عني ، وكلما قربت منه تباعدني . فقالت الحاضنة : يا سيدتي لو نظر إليك لكان أسرع إليك منك إليه ، ولو نظر إلى حسنك وجمالك وصفاء لونك لما قرّ له قرار دونك ، فقالت لها : وكيف لي به ؟ قالت لها : مكنيني من الأموال فقالت : ها خزائني بين يديك خذي منها ما شئت ودعي ما شئت لا حساب عليك في ذلك . فتمكنت من الأموال ودعت أهل البناء والهندسة وقالت أريد بيتا ترى الوجوه في سقفه وحائطه كما ترى في المرآة المصقولة فأجابوا بالسمع والطاعة ثم بنوا لها بيتا سمته القيطوم ، فلما تكامل بناؤه وتم إتقانه ، دعت بحضور مصوّر حاذق فصور في الحائط صورة يوسف وزليخا متعانقين ، ولم يبق من صورتهما شيء إلا صوّر وأمرت بسرير من ذهب مرصع بالدر والياقوت واللؤلؤ فوضعته في صدر البيت ، وجعلت عليه فرش الديباج والحرير الملون ، ثم فرشت البيت وأرخت الستور ثم ألبست زليخا من نوع الحلي والحلل النفيسة ما لا يوصف ولا يقدر بقيمة ، وأجلستها على مرتبة عظيمة مما يليق بمثلها ثم خرجت إلى يوسف وهي مستعجلة فقالت : يا يوسف أجب سيدتك زليخا فإنها تدعوك في بيتها القيطوم ، وكان سامعا لها مطيعا ، وكان بيده قضيب من ذهب يلعب به فرمى القضيب من يده وأسرع إلى الباب ليدخل فنادته زليخا مستعجلة له بالدخول فظن السوء في نفسه وأراد الرجوع بعد أن وضع رجله داخل العتبة فتوقف عند ذلك وزاد إحساس قلبه بالشر فأسرعت إليه وجذبته إلى السرير وقالت : هيت لك ، فأغمض عنينه وكف يده ونكس رأسه حياء من اللّه تعالى ، فقالت له : يا يوسف ما أحسن وجهك قال : اللّه صوره في الأرحام . قالت : ما أحسن عينيك . قال : هما أوّل ما يسقطان مني في قبري . قالت : ما أحسن شعرك قال هو أوّل ما يبلى مني . قالت : يا يوسف ما أطيب ريحك قال : لو شممت رائحتي بعد ثلاث لفررت مني . قالت : يا يوسف أتقرب إليك فتتباعد مني . قال لها : أرجو بذلك التقرب من ربي . قالت : انظر إليّ نظرة واحدة ، قال لها : أخشى العمى من ربي في آخرتي . قالت : ضع يدك على فؤادي . قال
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 364
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٣٦٤