شكرك اللّه تعالى على ما أولاك بي ، ثم قالت : السلام عليك ثم ولت مسرعة فنهضت إليها الخيزران لتعانقها فقالت : ليس في ذلك موضع مع الحالة التي أنا عليها فقالت الخيزان لها : فالحمام إذا ، وأمرت جماعة من جواريها بالدخول معها إلى الحمام فلما خرجت من الحمام وافتها الخلع والطيب فأخذت من الثياب ما أرادت ثم تطيبت ثم خرجت إليها فعانقتها الخيزران وأجلستها في الموضع الذي يجلس فيه أمير المؤمنين المهدي ثم قالت الخيزران : هل لك بالطعام ؟ قالت : واللّه ما فيكن أحوج مني إليه فعجلوه فأتي بالمائدة فجعلت تأكل غير محتشمة إلى أن اكتفت ثم غسلن أيديهن وقالت لها الخيزران : من وراءك ممن تعنين به ؟ قالت : ما خارج هذه الدار من بيني وبينه نسب .
فقالت : إذا كان الأمر هكذا فقومي حتى تختاري لنفسك مقصورة من مقاصيرنا وتحوّلي لها جميع ما تحتاجين إليه ثم لا نفترق إلى الموت فقامت ودارت بها في المقاصير فاختارت أوسعها وأنزهها ولم تبرح حتى حوّلت إليها جميع ما تحتاج إليه من الفرش والكسوة ، ثم تركتها وخرجت عنها فقالت الخيزران :
هذه المرأة قد كانت فيما كانت فيه وقدمها الضر وليس يغسل ما في قلبها إلا المال فاحملوا إليها خمسمائة ألف درهم فحملت إليها .
وفي أثناء ذلك وافى المهدي فسألها عن الخبر فحدثته حديثها وما لقيتها به فوثب مغضبا وقال للخيزران : هذا مقدار شكر اللّه على نعمه وقد أمكنك من هذه المرأة مع الحالة التي هي عليها فو اللّه لولا محلك بقلبي لحلفت أن لا أكلمك أبدا فقالت : يا أمير المؤمنين قد اعتذرت إليها ورضيت وفعلت معها كذا وكذا فلما علم المهدي ذلك قال لخادم كان معه : احمل إليها مائة بدرة وادخل إليها وأبلغها مني السلام وقل لها : واللّه ما سررت في عمري كسروري اليوم وقد وجب على أمير المؤمنين إكرامك ولولا احتشامك لحضر إليك مسلما عليك وقاضيا لحقك فمضى الخادم بالمال والرسالة فأقبلت على الفور وسلمت على المهدي بالخلافة وشكرت صنيعه وبالغت في الثناء على الخيزران ، وقالت : ما على أمير المؤمنين حشمة أنا في عداد حرمه ثم قامت إلى منزلها وأقامت عند الخيزران إلى أن قضى المهدي وأيام الهادي وصدرا من أيام الرشيد وماتت في خلافة الرشيد ، وكان لا يفرق بينها وبين نساء بني هاشم ، فلما قضت جزع عليها الرشيد والخدم جزعا شديدا وأخرجها بمشهد يليق بمثلها .
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 305
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٣٠٥