خط أبيه فقبّله ووضعه على عينه وقال : تعدى ابن لبيد طوره حتى رام نقض رأى الحكم ، وحسبنا أن نسلك سبيله بعده ونحفظ بعد موته عهده ، انصرفي فقد عزلته لك . ووقع لها بمثل توقيع أبيه الحكم فقبلت يده وأمر لها بجائزة فانصرفت وبعثت إليه بقصيدة منها :
ابن الهشامين خير الناس مأثرة * وخير منتجع يوما لروّاد
إن هز يوم الوغى أثناء صعدته * روّى أنابيبها من صرف فرصاد
قل للإمام أيا خير الورى نسبا * مقابلا بين آباء وأجداد
جوّدت طبعي ولم ترض الظلامة لي * فهاك فضل ثناء رائح غادي
فإن أقمت ففي نعماك عاكفة * وإن رحلت فقد زوّدتني زادي
وبقيت على ذلك مدة حياتها ، وهي مغمورة بخيراتها ومشهورة بالجود والكرم والأدب والحكم .
« 173 » - حفصة ابنة حمدون
كانت فاضلة روض فضلها أريج ، وحدائق معلوماتها وأدبها بهيج ، وشاعرة رقت وكثر اختراعها للمعاني وإبداعها ، تسترق القلوب بألفاظها الزاهرة ، وتسكر العقول بمعانيها الساحرة ، تنظم فتأتي بكل عجيبة وتشنف الأسماع بكل غريبة ، وتنثر فتفتض أبكار الدقائق بنظرها الثاقب ، وتجلي غياهب المشكلات بفكرها الصائب ، هي من وادي الحجارة بالأندلس ، وهي من أهل المائة الرابعة ، ومن شعرها :
رأى ابن جميل أن يرى الدهر مجملا * فكل الورى قد عمهم صيب نعمته
له خلق كالخمر بعد امتزاجها * وحسن فما أحلاه من حين خلقته
بوجه كمثل الشمس يدعو ببشره * عيونا ويغشيها بإفراط هيبته
ولها أيضا :
لي حبيب لا ينثني بعتاب * وإذا ما تركته زاد تيها
قال لي : هل رأيت لي من شبيه * قلت أيضا : وهل ترى لي شبيها
هامش
( 173 ) - أعلام النساء 1 / 272 ، دائرة معارف البستاني 7 / 117 ، الأعلام 2 / 292 ، تراجم أعلام النساء 2 / 20 ، معجم النساء الشاعرات : 58 .