تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
أوروبا متجندة عليه ومتقدمة نحو عاصمته فذهب في وسط هذه المخاطر إلى جوزفين وطلب مواجهتها ، وكانت هذه المواجهة الأخيرة ، وفي نهاية هذه الزيارة الأخيرة القصيرة شخص إليها برهة ساكتا وعلامات الحزن على وجهه ثم قال : ( يا جوزفين إني كنت سعيدا كأسعد الناس عاش على وجه الأرض ، ولكني في هذه الساعة عندما أرى عواصف تتجمع فوق رأسي ليس لي في كل هذا العالم الواسع أحد إلا أنت التي ألتفت إليها وأستريح ) وفي أعظم هذه الاضطرابات والانزعاجات الهائلة التي لم يسطر أعظم منها في تاريخ البشر كانت أفكار نابليون دائما عند جوزفين رفيقة صباه ، وكان يكتب إليها كل يوم تقريرا ويعلمها بالحوادث الجارية ويخبرها عن أحواله ، والرسائل التي كتبها إليها من بمادئ تلك الحروب ومن ساحات القتال كانت ألطف وأرق ما كتب لها في حياته ، فإن المصائب والنكبات كانت قد دمثت أخلاقه حتى إنه في تلك الأيام المضطربة عندما كان يحارب الجيوش الجرارة وكان عرشه آخذا في التقلقل تحت قدميه كانت رسالة من جوزفين تنعش روحه مهما كانت شواغله عظيمة ، أما الجيوش المتحالفة فكانت آخذة في الاقتراب من باريس ، وكانت جوزفين مهمومة مغمومة بسبب ما حل بنابليون ، وكانت هي وكل سيداتها في ملمازون يقضين أكثر أوقاتهن في إعداد خيوط الكتان للجرحى الذين ملأوا المستشفيات ، وأخيرا لما اقتربت جيوش الدول المتحالفة من ملمازون وصار بقاء جوزفين هناك من الأمور الخطيرة ركبت عجلتها وسارت إلى ناقار وذعرت من أصوات العساكر ثلاث مرات في طريقها إذ كانت على مسافة غير بعيدة منها ، وبعد أن قطعت نحو ثلاثين ميلا من طريقها انكسرت عجلتها وفي نفس ذلك الوقت رأت أمامها عصبة من الخيالة أتت نحوها فظنتها من عساكر الأعداء ومن شدة خوفها تركت عجلتها وصارت تركض مع سيداتها في الحقول ، وكان المطر يهطل حينئذ ، وبعد أن سرن مسافة أدركن غلطهن ووجدن أن هؤلاء الفرسان فرنسيون وبعد أن أصلحت العجلة ركبت ثانية ، وهكذا حتى وصلت جوزفين بالسلامة إلى ناقار وكانت ساكتة في معظم الطريق لا تفوه ببنت شفة . وبعد أن قامت عدة أيام في ناقار قلقة مضطربة البال تنتظر الأخبار عن نابليون أرسل إليها الإمبراطور إسكندر إمبراطور الروس خفراء يحرسونها من الاعتداء عليها لأن مئات الألوف من العساكر كانت حينئذ منتشرة في كل تلك
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 255 | زينب فواز العاملي / منى محمد زياد الخراط