على صفحات قلبي إلا الأبد وأنا بيدي توجتها أمبراطورة ستبقى أمبراطورة في القلب والرتبة وأحب فوق كل ذلك أن لا تشك مطلقا بعواطفي من نحوها ولا تعتبرني إلا أعز صديق لها .
فأجابت جوزفين بصوت منقطع وعينين مغرورقتين بالدموع : إني أجيب على كلام الإمبراطور من جهة انفصالنا بالقبول ؛ لأن اجتماعنا كان حائلا دون سفيرة فرنسا بسبب عدم وجود من يسوس يوما ما هذا الشعب من نسل هذا الإنسان العظيم ولكن هذا الانفصال لا يغير عواطف قلبي بل سيجد الإمبراطور فيّ أحسن صديقة له ، وأنا أعلم ماذا كلف هذا العمل السياسي قلب الإمبراطور ولكن نحن الاثنان نفتخر بهذه الضحية التي ضحيناها لأجل خير المملكة .
هذا ما أظهرته جوزفين جهارا وأما في الخفاء فإنها استسلمت للحزن والكآبة وقضت ستة أشهر بالبكاء والنحيب حتى قاربت العمى من شدّة الحزن .
وفي اليوم المعين لإنهاء نظام الانفصال اجتمع المحفل ثانية في نادي الإمبراطور العظيم ليشهدوا تمام نظام الانفصال ، فدخل الإمبراطور بحلته الرسمية واصفرار الموت على وجهه وعلامات اليأس والقنوط تلوح عليه ، واستند إلى أحد الأعمدة مكتوف اليدين لا يفوه بكلمة ، وبقي برهة غائصا في بحور الافتكار كالصنم لا يبدي حراكا ، وكان في وسط النادي مائدة جميلة وعليها كل أدوات الكتابة من الذهب الإبريز أمامها كرسي أعد لجوزفين وكان جميع الحاضرين صامتين لا يفوهون بكلمة وكلهم شاخص إلى المائدة وما عليها كأنهم ينظرون إلى مذبحة أو مشنقة معلقة ، ففي وسط هذا فتح باب من جانب المنتدى ودخلت منه جوزفين مستندة إلى يد ابنتها هورتنس واصفرار الموت يلوح على وجه كل منهما ولما دخلا غلب البكاء على هورتنس ولم تنفك عن ذلك كل مدة الاجتماع .
ولما دخلت جوزفين نهض الجميع إجلالا لها وتساقطت العبرات من عيونهم لشدة تأثرهم من منظرها أما هي فتقدّمت بحركاتها اللطيفة إلى المكان المعدّ لها وارتفقت بيدها على وجهها وأصغت إلى قراءة نظام الانفصال والدموع تسكب من عينيها ، وكان ابنها أيوجين جالسا على مقربة منها ، وبعد نهاية قراءة النظام حسمت جوزفين دموعها وانتصبت واقفة ، وأخذت على نفسها عهد الانفصال بصوتها الرائق العذب الاعتيادي ثم جلست وأخذت قلما ووقعت
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 253
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص٢٥٣