تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
أذهب حالا ، وأما الآن فأستودعك اللّه يا سيدي لأني مهما زدت على ذلك كان قليلا جدّا ، وعواطفي بعد الآن لا تبرهن لك بالكلام بل بالعمل وأرجو أن تسلم بذلك لأنه ضروري . وبعد كتابة هذه الرسالة بأيام قليلة تناول الإمبراطور إسكندر وبعض أصحاب الألقاب والرتب طعاما مع جوزفين وفي أوّل المساء خرج الجميع بنور الشفق إلى خارج وخرجت جوزفين معهم ، وكانت صحتها منحرفة بسبب الأحزان والأكدار فشعرت بزكام شديد وجعل يزداد يوما فيوما وتنحط معه صحتها وقوّتها حتى حكم الطبيب بدنوّ أجلها وكان ولدها أيوجين وهورتنس لا يفارقانها ليلا ولا نهارا وأخبراها بكلام الطبيب فتلقت تلك البشرى بفرح وسرور وسألت حضور قسيس ، فحضر وأتم الفروض الدينية ، ثم دخل عليها الإمبراطور إسكندر فرأى ولديها أيوجين وهورتنس جاثيين عند فراشها وقد غسلتهما الدموع فأومأت جوزفين إلى الإمبراطور أن يقرب منها ، فلما اقترب قالت له ولأولادها : كنت دائما أشتهي سعادة فرنسا وقد فعلت كل ما في طاقتي لأجل ذلك ، وها أنا ذا أقول لكم في الدقيقة الأخيرة من حياتي أيها الحاضرون الآن إن امرأة نابليون الأوّل لم تسبب مطلقا انسكاب دمعة واحدة من عين واحدة . ثم طلبت صورة الإمبراطور فلما أحضروها التفتت إليها وعلامات الرقة والمحبة تلوح على وجهها ثم أخذتها وقرّبتها إلى صدرها ووضعت يديها فوقها قائلة : اللهم احرس الإمبراطور مدة بقائه في صحراء هذه الدنيا ، وا أسفاه إنه ارتكب غلطات فاحشة ولكنه لم يعوّض عنها بآلام عظيمة وأنت وحدك أيها الإله قد عرفت قلبه وعلمت أنه كان في نفسه أميال شديدة إلى صلاح أشياء كثيرة فتنازل وأصغ إلى تضرعي الأخير واجعل هذه الصورة صورة زوجي تشهد أن رغبتي وصلاتي الأخيرة كانتا لأجله ولأجل أولادي . وكان ذلك في التاسع والعشرين من شهر أيار ( مايو ) سنة ( 1814 ) م وكانت الشمس قد قاربت الغروب فألقت بعض أشعتها المذهبة من نوافذ غرفة جوزفين المفتوحة وكان النسيم اللطيف يتلاعب بالأشجار والطيور تغرّد فيها . وبين حفيف الأشجار وتغريد الأطيار ألقت جوزفين عينيها على صورة نابليون