حيّوا تماضر واربعوا صحبي * وقفوا فإن وقوفكم حسبي
أخناس قد هام الفؤاد بكم * وأصابه تبل من الحبّ
وخطبها بعد ذلك إلى أبيها ، فقال له أبوها : مرحبا بك يا أبا قرة ، إنك لكريم لا يطعن في حسبه واليد لا تردّ عن حاجته ، ولكن لهذه المرأة في نفسها ما ليس لغيرها ، وإنما أذكرك لها ، ثم دخل عليها وقال : يا خنساء ، أتاك فارس هوازن وسيد بني جشم دريد بن الصّمة يخطبك ، وهو ممن تعلمين ، ودريد يسمع قولها ، فقالت : يا أبت أتراني تاركة بني عمي مثل عوالي الرماح وناكحة شيخ بني جشم هاته اليوم أو غدا وأنشأت تقول :
أتخطبني هبلت على دريد * وتطرد سيدا من آل بدر
معاذ اللّه ينكحني خبر كي * يقال أبوه من جشم بن بكر
ولو أمسيت في جشم هديا * لقد أمسيت في دنس وفقر
فخرج إليه أبوها ، فقال : يا أبا قرة ، قد امتنعت ، ولعلها أن تجيب فيما بعد ، فقال دريد : سمعت ما دار بينكما وانصرف غضبان . وقال يهجو الخنساء :
لمن طلل بذات الخمس أمس * عفا بين العقيق فبطن خرس
أشبهها غمامة يوم دجن * تلألأ برقها أو ضوء شمس
وهي طويلة أضربنا عنها . فقيل للخنساء : ألا تجيبيه ؟ فقالت : لا أجمع عليه أن أرده وأهجوه .
ولما ردت دريدا خطبها رواحة بن عبد العزيز السلمي ، فولدت له عبد اللّه ، ثم خلف عليها مرداس بن أبي عامر فولدت له يزيد ومعاوية وبنتا اسمها عمرة ، حكى بعضهم أنه لما كانت ليلة زفاف عمرة كانت أمها جالسة ملتفة بكساء أحمر وقد هرمت وهي تلحظ ابنتها لحظا شديدا ، فقال القوم : يا عمرة ألا تحرّشت بأمك فإنها الآن تعرف بعض ما أنت فيه فقامت عمرة تريد شيئا ، فوطأت على قدمها وطأة أوجعتها ، فقالت لها وقد اغتاظت : حسن إليك يا حنفاء كأنما تطئين أمة ورهاء ، أنا كنت أكرم منك عرسا ، وأطيب ورسا ، وذلك زمان إذ كنت فتاة أعجب الفتيان لا أذيب الشحم ، ولا أرعى البهم ، كالمهرة الصنع ، لا مضاعة ولا عند مضيع . فضحك القوم من غيظها .