وكانت الخنساء من شواعر العرب المعترف لهن بالتقدم وهي تعدّ من الطبقة الثانية في الشعراء ، وأكثر شعرها في رثاء أخويها معاوية وصخر ، وكان معاوية أخاها لأمها وأبيها وكان صخر أخاها لأبيها وأحبهما إليها واستحق صخر ذلك منها لأنه كان موصوفا بالحلم ، مشهورا بالجود ، معروفا بالتقدم والشجاعة ، محظوظا في العشيرة وأجمل رجل في العرب ، فلما قتل جلست الخنساء على قبره زمانا طويلا تبكيه وترثيه وفيه جلّ مراثيها .
وكانت في أول أمرها تقول البيتين أو الثلاثة حتى قتل أخواها معاوية وصخر وقد أجمع الشعراء على أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها .
وقيل لجرير : من أشعر الناس ؟ فقال : أنا لولا هذه الخبيثة - يعني الخنساء - .
قال بشار : لم تقل امرأة قط شعرا إلا تبين الضعف في شعرها . فقيل له : أو كذلك الخنساء ؟ قال : تلك فوق الرجال .
وكان الأصمعي يقدّم ليلى الأخيلية عليها . قال المبرد : كانت الخنساء وليلى فائقتين في أشعارهما متقدمتين لأكثر الفحول .
وكان النابغة الذبياني يجلس للشعراء في سوق عكاظ وتأتيه الشعراء فتنشده أشعارها ، فأنشدته الخنساء في بعض المواسم قصيدتها الرائية التي في أخيها صخر فأعجبه شعرها ، وقال لها : اذهبي فأنت أشعر من كانت ذات ثديين ، ولولا هذا الأعمى أنشدني قبلك يعني الأعشى لفضلتك على شعراء هذا الموسم ، فإنك أشعر الإنس والجن .
وكان ممن عرض شعره في ذلك الموسم حسان بن ثابت فغضب ، وقال : أنا أشعر منك ومنها . فقال : ليس الأمر كما ظننت . ثم التفت إلى الخنساء وقال : يا خناس ، خاطبيه . فالتفتت إليه الخنساء وقالت : ما أجود بيت في قصيدتك هذه التي عرضتها آنفا ؟ قال : قولي فيها :
لنا الجفنات الغرّ يلمعن في الضّحى * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فقالت : ضعفت افتخارك وأندرته في ثمانية مواضع في بيتك هذا . قالت :
قلت : لنا الجفنات ، والجفنات ما دون العشر ولو قلت : الجفان ، لكان أكثر ،