وقلت : الغرّ والغرة بياض في الجبهة ، ولو قلت : البيض لكان أكثر اتساعا ، وقلت : يلمعن ، واللمع شيء يأتي بعد شيء ولو قلت : يشرقن لكان أكثر لأن الإشراق أدوم من اللمعان ، وقلت : بالضّحى ولو قلت : بالدجى لكان أكثر إطراقا ، وقلت : أسياف ، والأسياف ما دون العشرة ، ولو قلت : سيوفا لكان أكثر ، وقلت : يقطرن ولو قلت : يسلن لكان أكثر ، وقلت : دما والدماء أكثر من الدم . فسكت حسان ولم يردّ جوابا .
وكان في أثناء ذلك ظهور الإسلام فقدمت الخنساء على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأسلمت ، واستنشدها فأنشدته فأعجب بشعرها ، وهو يقول : هيه يا خنساء ثم انصرفت .
وقيل : إن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سألها : ما أقرح مآقي عينيك ؟
قالت : بكائي على السادات من مضر . قال : يا خنساء إنهم في النار . قالت :
ذاك أطول لعويلي عليهم إني كنت أبكي لهم من الثأر وأنا اليوم أبكي لهم من النار .
وقيل : إنها أقبلت في خلافته حاجّة ، فنزلت بالمدينة بزي الجاهلية ، فقام إليها عمر في أناس من الصحابة ، فدخل عليها فإذا هي كما وصفت له فعذلها ووعظها ، وقال لها : إن الذي تصنعين ليس صنع الإسلام وإن الذين تبكين هلكوا في الجاهلية وهم أعضاء اللهيب وحشو جهنم فقالت : اسمع مني ما أقول في عذلك إياي ولومك لي . فقال : هات ، فأنشدته من شعرها في أخويها فتعجب من بلاغتها وقال : دعوها فإنها لا تزال حزينة أبدا .
وقيل : إنها أتت عائشة فنظرت إليها وعليها الصدار وهي محلوقة الرأس تدب من الكبر على عصى فقالت لها عائشة : أخناس ، فقالت : لبيك يا أماه ، قالت : أتلبسين الصدار وقد نهي عنه في الإسلام ؟ فقالت : لم أعلم بنهيه ، قالت : ما الذي بلغ بك ما أرى ؟ قالت : موت أخي صخر ، قالت عائشة : ما دعاك إلى هذا إلا صنائع من جميله فصفيها لي . قالت : نعم إن لشعاري سببا ؛ وذلك أن زوجي كان رجلا متلافا للأموال يقامر بالقداح فأتلف فيها ماله حتى بقينا على غير شيء فأراد أن يسافر فقلت له : أقم وأنا آتي أخي صخرا فأسأله فأتيته فشكوت إليه حالنا وقلة ذات أيدينا فشاطرني ماله ، فانطلق زوجي فقامر به فقمر حتى لم يبق شيء ، فعدت إليه في العام المقبل أشكو إليه حالته ، فصار لي بمثل ذلك ، فأتلفه زوجي ، فلما كان في الثالثة أو في الرابعة خلت
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ) — صفحة 193
مساهمون: زينب فواز العاملي
ص١٩٣