فمضى معه حتى كمن له في الوادي وأرسل معه خاتمه إلى راعي بثينة ودفعه إليه ، فمضى به إليها ثم عاد بموعد منها إليه ، فلما جنّ الليل جاءته فتحدثا طويلا حتى أصبحا ثم ودعها وركب ناقته وهي باركة . قالت له بثينة : ادن مني يا جميل فدنا منها وقال :
إن المنازل هيّجت أطرابي * واستعجمت آياتها بجوابي
فترى تلوح بذي اللجين كأنها * أنضاء رسم أو سطور كتاب
لما وقفت بها القلوص تباردت * مني الدموع لفرقة الأحباب
وذكرت عصرا يا بثينة شاقني * وذكرت أيامي وشرخ شبابي
وقال كثير : لقيني جميل مرة فقال لي : من أين أقبلت ؟ قلت : من عند أبي الحبيبة ، أعني بثينة ، فقال : وإلى أين تمضي ؟ قلت : إلى الحبيبة أعني عزة فقال : لا بد أن ترجع عودك على بدئك فتستجدّ لي موعدا من بثينة . فقال :
عهدي بها الساعة ، وأنا أستحي أن أرجع . فقال : لا بد من ذلك ، فقلت :
فمتى عهدك بها ؟ قال : في أول العيد وقد وقعت سحابة بأسفل وادي الردم ، فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثيابها ، فلما أبصرتني أنكرتني ، وضربت بيدها إلى ثوب في الماء فالتحفت به تسترا ، وعرفتني الجارية فأخبرتها فتركت الثوب في الماء وتحدثنا حتى غابت الشمس ، وسألتها الموعد ، فقالت : أهلي سائرون وما وجدت أحدا غيرك يا كثير حتى أرسله إليها فقال له كثير : فهل لك في أن آتي الحي فأنزع بأبيات من الشعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها ؟ قال : ذلك الصواب ، فأرسله إليها فذهب ، وقال : انتظرني حتى أعود ، ثم سار حتى أناخ بهم فقال له أبوها : ما ردك يا كثير ؟ قال : ثلاثة أبيات عرضت لي فأحببت أن أعرضها عليك . قال : هاتها ، قال كثير : فأنشدته وبثينة تسمع من وراء الخدر :
فقلت لها يا عز أرسل صاحبي * إليك رسولا والموكّل مرسل
بأن تجعلي بيني وبينك موعدا * وأن تأمريني بالذي فيه أفعل
وآخر عهدي منك يوم لقيتني * بأسفل وادي الردم والثوب يغسل
فضربت بثينة صدرها وقالت : اخسأ اخسأ . فقال أبوها : مهيم يا بثينة ؟
قالت : كلب يأتينا إذا نام الناس من وراء هذه الرابية ثم التفتت إلى الجارية وقالت : أبغينا من الدومات حطبا لنذبح لكثير شاة ونسوّيها له . فقال كثير : أنا