وجارة لها واردتين الماء ، فمرتا على فصال له بروك ، فنفرتهن بثينة ( أي انتهرتهنّ ) فقال قد نفرتهن ، وكانت إذ ذاك جويرية صغيرة ، فسبها جميل فبادلته السبّ وشتمته هي أيضا فاستحسن سبابها وهام بها من ذاك الحين ، وفي ذلك يقول :
وأوّل ما قاد المودّة بيننا * بوادي بغيض يا بثين سباب
وقلنا لها قولا فجاءت بمثله * لكلّ كلام يا بثين جواب
وخرجت بثينة في يوم عيد وكانت النساء إذ ذاك يتزينّ ويجتمعن ويدنو بعضهنّ لبعض ، ويبدون للرجال في كل عيد ، فجاء جميل فوقف على بثينة وأختها أم الحسين في نساء من بني الأحب ، فرأى منهن منظرا لطيفا ، فقعد معهن ثم انصرف وكان معه فتيان من بني الأحب ، فعلم أن القوم قد عرفوا في نظره حب بثينة ، ووجدوا عليه ، فراح وهو يقول :
عجل الفراق وليته لم يعجل * وجرت بوادر دمعك المتهلل
طربا وشاقك ما لقيت ولم تخف * بين الحبيب غداة برقة محول
وعرفت أنك حين رحت ولم يكن * بعد اليقين وليس ذاك بمشكل
لن تستطيع إلى بثينة رجعة * بعد التفرّق دون عام مقبل
ولما سمعت بثينة أن جميلا شبّب بها حلفت باللّه أن لا يأتيها على خلوة إلا خرجت إليه ولا تتوارى منه فكان يأتيها عند غفلات الرجال ، فيتحدث معها ومع أخواتها حتى نمي إلى رجالها أنه يتحدث إليها وكانوا أصلافا - أي غيارى - فرصدوه بجماعة نحو من بضعة عشرة رجلا ، وجاء على الصهباء ناقته حتى وقف ببثينة وأم الحسين وهما يحدثانه وهو ينشدهما قوله :
حلفت بربّ الراقصات إلى منى * هويّ القطا تجتزن بطن دفين
لقد ظن هذا القلب أن ليس لاقيا * سليمى ولا أم الحسين لحين
فليت رجالا فيك قد ندروا دمي * وهمّوا بقتلي يا بثين لقوني
فبينما هو على تلك الحال إذ وثب عليه القوم فأطلق عنان الناقة فخرجت من بينهم كالسهم .
ووعدت جميلا يوما أن يلتقيا في بعض المواضع ، فأتى لوعدها ، وجاء أعرابي يستضيف القوم فأنزلوه وقروه فقال لهم : قد رأيت في بطن هذا الوادي