وهل فاضت العين الشروق بمائها * من أجلك حتى اخضلّ من دمعها بردي
وإني لأستجري لك الطير جاهدا * لتجري بيمن من لقائك من سعدي
وإني لأستبكي إذا الركب غرّدوا * بذكراك أن يحيا بك الركب إذ تحدي
فهل تجزيني أمّ عمرو بودها * فإن الذي أخفي بها فوق ما أبدي
وكل محب لم يزد فوق جهده * وقد زدتها في الحب مني على الجهد
ولما ضاقت برهط بثينة الحيل ائتمنوا عليها عجوزا منهم يثقون بها ، يقال لها : أم منظور ، فجاءها جميل وقال لها : أريني بثينة ، فقالت : لا واللّه لا أفعل وقد ائتمنوني عليها ، فقال : أما واللّه لا أضرنك ، فقالت : المضرة واللّه في أن أريكها ، فخرج من عندها وهو يقول :
ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت * بالحجر يوم جلتها أم منظور
ولا استلابتها خرسا جبائرها * إليّ من ساقط الأوراق مستور
قال : فما كان إلا قليل حتى انتهى إليهم هذان البيتان ، فتعلقوا بأم منظور ، فحلفت لهم بكل يمين فلم يقبلوا منها وعاقبوها على ذلك هكذا رواه صاحب الأغاني عن الزبير بن بكار .
وفي رواية أخرى أن رجلا أنشد مصعب بن الزبير البيت الأول من البيتين المذكورين ، فقال مصعب : لوددت أني عرفت كيف جلتها ، فقيل له : إن أم منظور هذه حية ، فكتب في حملها إليه مكرمة ، فحملت إليه فقال لها :
أخبريني عن قول جميل :
ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت * بالحجر يوم جلتها أم منظور
كيف كانت هذه الجلوة ؟ قالت : ألبستها قلادة بلح ومخنقة بلح في وسطها تفاحة ، وضفرت شعرها ، وجعلت في فرقها شيئا من الخلوق ، ومر بنا جميل راكبا على ناقته فجعل ينظر إليها بمؤخر عينه ويلتفت إليها حتى غاب عنا فقال لها مصعب ، فإني أقسم عليك إلا جلوت عائشة بنت طلحة مثل ما جلوت بثينة ففعلت ، وركب مصعب ناقته وجعل ينظر إلى عائشة بمؤخر عينه مثل ما فعل جميل ويسير حتى غاب عنهما ثم رجع .
وجاء جميل إلى بثينة ليلة وقد تزيا بزي راع لبعض الحي ، فوجد عندها ضيفانا لها ، فانتبذ ناحية وجلس فيها فسألته : من أنت ؟ فقال : مسكين مكاتب ،