قال : فبكيا ليلتهما إلى أنّ بزغ الصباح ثم انصرفا .
وخرج جميل لزيارة بثينة ذات يوم فنزل قريبا من الماء يترصد أمة لبثينة أو راعية ليتخذها واسطة لتبليغ رسالته ، وإذا بأمة حبشية معها قربة واردة على الغدير لتملأها وكانت عارفة به ، ولما تبينها وتبينته سلمت عليه وجلست معه ، وجعل يحدثها ويسألها عن أخبار بثينة ، ويخبرها بما يعانيه من ألم الفراق ، ويحملها رسائله إلى بثينة ، ثم أعطاها خاتمه وسألها أن تدفعه لها وأخذ عليها موعدا ترجع له فيه ومكث ينتظر رجوعها ، وذهبت الجارية إلى أهلها وقد أبطأت عليهم فلقيها أبو بثينة وزوجها وأخوها فسألوها عما أبطأ بها فالتوت عليهم ولم تخبرهم بشيء مما حصل لها مع جميل ، وتعللت عليهم فضربوها ضربا مبرحا ومن ألم الضرب أعلمتهم حالها مع جميل ، ودفعت إليهم خاتمه وصدف أنه مرّ بها في تلك الحالة فتيان من بني عذرة فسمعا القصة جميعها وعرفا الموضع الذي فيه جميل فأحبا أن يدرآ عنه هذا الخطر فقالا للقوم :
إنكم إن لقيتم جميلا وليست بثينة معه ثم قتلتموه لزمكم في ذلك كل مكروه وكان أهل بثينة أعز بني عذرة فدعوا الأمة وأعطوها الخاتم وأمروها أن توصله إلى بثينة وحذروها من أن تخبرها بأنهم علموا القصة ، ففعلت ولم تعلم بثينة بما جرى ، ومضى الفتيان فأنذرا جميلا وقالا : تقيم عندنا في بيوتنا حتى يهدأ الطلب ، ثم تبعث إليها فتزورك وتقضي من لقائها وطرا وتنصرف سليما ، فقال :
أما الآن فابعث إليها من ينذرها فأتياه براعية لهما وقالا له : قل بحاجتك فقال :
ادخلي إليها وقولي لها : إني أردت اقتناص ظبي فحذره ذلك جماعة اعتوروه من القناص ، ففاتني الليل فمضت فأعلمتها ما قال لها فعرفت قصته ، وبحثت عنها ففهمتها تماما فلم تخرج لزيارته تلك الليلة ورصدوها فلم تبرح من مكانها ومضوا يقتفون أثره فوجدوا ناقته فعرفوا أنه قد فاتها ، وفي ذلك يقول جميل :
خليليّ عوجا اليوم حتى تسلّما * على عذبة الأنياب طيبة النّشر
ألما بها ثم اشفعا لي وسلّما * عليها سقاها اللّه ممن سائغ القطر
وقال :
أبى القلب إلا حب بثنة لم يرد * سواها وحب القلب بثنة لا يجدي
إذا ما دنت زدت اشتياقا وإن نأت * جزعت لنأي الدار منها وللبعد
سلي الركب هل عجنا لمغناك مرة * صدور المطايا وهي موقرة تخدي