أعجل من ذلك ، وخرج وراح إلى جميل فأخبره فقال له جميل : الموعد الدومات بعد أن تنام الناس وكانت بثينة قد قالت لأختها أم الحسين وليلى ونجيا بنات خالتها : إني قد رأيت في نحو نشيد كثير أن جميلا معه وكانت قد أنست إليهن واطمأنت بهن وكاشفتهنّ بأسرارها ، فخرجن معها وكان جميل وكثير خرجا حتى أتيا الدومات ( اسم محل ) وجاءت بثينة ومن معها فما برحوا حتى برق الصبح ، فكن كثير يقول : ما رأيت عمري مجلسا قط أحسن من ذلك المجلس ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر ولم أدر أيهما كان أفهم .
ولما ندر أهل بثينة دم جميل وأهدره لهم السلطان ، ضاقت الدنيا بجميل ، فكان يصعد بالليل كثيب رمل ويتنسم الريح من نحو حي بثينة ويقول :
أيا ريح الشمال أما تريني * أهيم وإنني بادي النّحول
هبي لي نسمة من ريح بثن * ومنى بالهبوب إلى جميل
وقولي يا بثينة حسب نفسي * قليلك أو أقل من القليل
فإذا ظهر الصبح انصرف . وكانت بثينة تقول لجوار من الحي عندها :
ويحكنّ إني لأسمع أنين جميل من بعض الغيران . فيقلن لها : اتقي اللّه فهذا شيء يخيله لك الشيطان لا حقيقة له .
واجتمع كثير بجميل يوما فقال له : يا جميل أترى بثينة لم تسمع بقولك :
يقيك جميل كل سوء أماله * لديك حديث أو إليك رسول
وقد قلت في حبي لكم وصبابتي * محاسن شعر ذكرهنّ يطول
فإن لم يكن قولي رضاك فعلمي * هبوب الصبايا بثن كيف أقول
فما غاب عن عيني خيالك لحظة * ولا زال عنها والخيال يزول
فقال جميل : أترى عزة يا كثير لم تسمع بقولك :
يقول العدا يا عز قد حال دونكم * شجاع على ظهر الطريق مصمّم
فقلت لها : واللّه لو كان دونكم * جهنم ما راعت فؤادي جهنم
وكيف يروع القلب يا عز رائع * ووجهك في الظلماء للسفر معلم
وما ظلمتك النفس يا عز في الهوى * فلا تنقمي حبي فما فيه منقم