ثلاثة نفر متفرقين متوارين في الشجر وأنا خائف عليكم أن يسلبوا بعض إبلكم ، فعرفوا أنه جميل وصاحباه ، فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده ، فلما أسفر الصبح انصرف كئيبا سئ الظن بها ورجع إلى أهله ، فجعل نساء الحي يقرّ عنه بذل ويقلن له : إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر وغيرها أولى بوصلك منها ، كما أن غيرك يحظى بوصلها ، فقال في ذلك :
فلربّ عارضة علينا وصلها * بالجدّ تخلطه بقول الهازل
فأجبتها في القول بعد تستر * حبي بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في صدري كقدر قلامة * فضلا وصلتك أو أتتك رسائلي
ويقلن إنك قد رضيت بباطل * منها فهل لك في اجتناب الباطل
ولباطل ممن أحب حديثه * أشهى إليّ من البغيض الباذل
ليزلن عنك هواي ثم يصلنني * وإذا هويت فما هواي بزائل
أبثين إنك قد ملكت فأسحجي * وخذي بحظك من كريم واصل
وفي وعدها بالتلاقي وتأخرها يقول أيضا قصيدته الرائية التي أولها :
يا صاح عن بعض الملامة أقصر * إن المنى للقاء أمّ المسور
ومنها :
وكأنّ طارقها على علل الكرى * والنجم وهنا قد دنا لتغوّر
يستاف ريح مدامة معجونة * بذكيّ مسك أو سحيق العنبر
ومنها :
إني لأحفظ غيبكم ويسرني * إذ تذكرين بصالح أن تذكري
ويكون يوم لا أرى لك مرسلا * أو نلتقي فيه عليّ كأشهر
يا ليتني ألقى المنية بغتة * إن كان يوم لقائكم لم يقدر
أو أستطيع تجلدا عن ذكركم * فيفيق بعض صبابتي وتفكري
لو قد تجنّ كما أجنّ من الهوى * لعذرت أو لظلمت إن لم تعذري
واللّه ما للقلب من علم بها * غير الظنون وغير قول المخبر
لا تحسبي أني هجرتك طائعا * حدث لعمرك رائع أن تهجري
فلتبكيني الباكيات وإن أبح * يوما بسرك معلنا لم أعذر
يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت * يتبع صداي صداك بين الأقبر