وقال أبو عبيدة « 1 » في كتاب « الأمثال » : ارتجل عليّ - كرم اللّه وجهه - تسع كلمات قطع الأطماع عن اللحاق بواحدة منهن : ثلاثا في المناجاة ، وثلاثا في العلم ، وثلاثا في الأدب ؛
فأما التي في المناجاة فقوله : كفاني عزا أن تكون لي ربا ، وكفاني فخرا أن أكون لك عبدا ، أنت لي كما أحب ، فوفقني لما تحب .
وأما التي في العلم فقوله : المرء مخبوء تحت لسانه ، تكلموا تعرفوا ، ما ضاع امرؤ عرف قدره .
وأما التي في الأدب فقوله : أنعم على من شئت تكن أميره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره .
وخطبه وكلامه أفرد بعدة أسفار كبار .
وأما ما نقل عنه من التقلل والتزهد ، واشتهر به من الترهب والتعبد فكثير .
وقد قيل : التصوف السلو عن الأعراض بالسمو إلى الأغراض .
جاءه ابن التياح « 2 » فقال : يا أمير المؤمنين امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء ، فقال : اللّه أكبر ! فنادى في الناس ففرق جميع ما فيه وهو يقول :
يا صفرا ويا بيضا ! غري غيري ، ها وها ، حتى ما بقي فيه دينار ولا درهم ، ثم أمر بنضحه وصلّى فيه ركعتين ، وما بنى لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ، وكان يلبس إزارا غليظا أسود بخمسة دراهم .
هامش
( 1 ) معمر بن المثنى ( 110 - 209 ه ) البصري ، أبو عبيدة النحوي : من أئمة العلم بالأدب واللغة . مولد ووفاته في البصرة . كان إباضيا ، شعوبيا ، من حفاظ الحديث . « الأعلام » ( 7 / 272 ) .
( 2 ) ذكرت هذه القصة في « صفة الصفوة » ( 1 / 314 ) وأسندت إلى مسند الإمام أحمد ، وقال محقق « صفة الصفوة » : لعلّ الصواب ( ابن النباح ) كما في « طبقات ابن سعد » ( 3 / 24 ) . وهو عامر بن النباح مؤذن سيدنا علي بن أبي طالب ويروي عنه - انظر هامش « المشتبه في الرجال » للذهبي بتحقيق الجباوي - ولا أعلم في الرواة من يسمى ( ابن التياح ) ولكن يوجد أبو التياح وهو يزيد بن حميد الضبعي . ا . ه .