وكان يرقع قميصه فقيل له : يا أمير المؤمنين لم هذا ؟ قال : يخشع القلب ، ويقتدي به المؤمن .
وأتى يوما السوق فقال : من عنده قميص بثلاثة دراهم ؟ فقال له رجل :
عندي ، فأتاه به فأعطاه فلبسه فإذا به يفضل عن أطراف أصابعه ، فأمر به فقطع .
وباع سيفه في ثمن إزار وقال : واللّه لو كان عندي ثمنه ما بعته فطالما كشفت به الكرب عن المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم .
ودخل سيدنا ضرار « 1 » على سيدنا معاوية « 2 » - رضي اللّه عنهما - فقال :
صف لي عليا . فقال : أو تعفيني ؛ قال : لا ؛ قال : أما إذ لا بد فكان والله بعيد المدى شديد القوى ، يقول فصلا ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويأنس بالليل وظلمته ، غزير العبرة طويل الفكرة ، يقلب كفه ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن ، يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله .
وكان أتى - رضي اللّه عنه - بفالوذج « 3 » فوضع بين يديه ، فقال : إنك طيب الريح حسن اللون طيب الطعم غير أني لا أعوّد نفسي ما لم تعتد وردّه ، ولم يأكل منه شيئا .
هامش
( 1 ) ضرار بن مالك ( الأزور ) بن أوس ( 000 - 11 ه ) الأسدي ، أحد الأبطال في الجاهلية والإسلام . وكان شاعرا مطبوعا . له صحبة . قاتل يوم اليمامة أشد قتال ، حتى قطعت ساقاه .
مات بعد أيام في اليمامة . وقيل : في غيرها . « الأعلام » ( 3 / 215 ) .
( 2 ) معاوية بن صخر ( أبي سفيان ) بن حرب ( 20 ق . ه - 60 ه ) القرشي الأموي : مؤسس الدولة الأموية في الشام ، ولد بمكة وأسلم يوم الفتح ، وتعلم الكتابة والحساب ، دامت له الخلافة بعد الحسن بن علي إلى أن بلغ سن الشيخوخة . مات في دمشق . له ( 130 ) حديثا .
« الأعلام » ( 7 / 262 ) .
( 3 ) الفالوذ : من الحلواء ، هو الذي يؤكل ، يسوّى من لبّ الحنطة ، فارسي معرب . قال يعقوب :
ولا يقال الفالوذج . « لسان العرب » ( فلذ ) .