وقال : أوقفني الحق بين يديه ، وقال : يا أبا يزيد ! بأي شيء جئتني ؟ قلت :
بالزهد في الدنيا ، قال : إنما مقدار الدنيا عندي جناح بعوضة ، ففيم زهدت ؟
قلت : إلهي ! أستغفرك من ذلك ، جئت بالتوكل عليك ، قال : ألم أكن ثقة فيما ضمنت لك ؟ قلت : أستغفرك ، جئتك بك ، أو قال : بالافتقار إليك . فقال عند ذلك : قبلناك .
وقال : وقفت مع العابدين فلم أر لي معهم قدما ، فوقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما ، فوقفت مع المصلين والصائمين فلم أر لي معهم قدما ، فقلت : يا رب ! كيف الطريق إليك ؟ فقال لي : اترك نفسك وتعال « 1 » .
قال الخوّاص « 2 » : فاختصر له الطريق بألطف كلمة وأخصرها ، فإنّه إذا ترك حظّ نفسه من الدارين قام الحق معه .
ومن فوائده التي لا تكاد تحصى : سر في ميدان التوحيد ، حتى تصل إلى دار التفريد ، وطر في دار التفريد ، حتى تلحق وادي الديمومية « 3 » .
وأرسل ذو النون المصري يقول له : إلى متى النوم والراحة وقد جازت القافلة ؟ ! فقال لمن أتاه : قل لأخي : ليس الرجل من يسير مع القافلة ، إنّما
هامش
( 1 ) قوله ( وتعال ) : مواهب الحق سبحانه واختصاصاته ليست مقيدة بالأسباب ، مع وجوب العمل بها قدر الوسع ، فلما قارن نفسه بأهل المجاهدات التي فوق وسعه لم ير له قدما معهم ، فرقّاه الحق إلى مقامات القلوب والتخلي عن نفسه ، فكان ذلك سبب وصوله .
( ع ) .
( 2 ) إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل ( 000 - 291 ه ) الخوّاص : هو أحد من سلك طريق التوكل ، وكان أوحد المشايخ في وقته ، ومن أقران الجنيد والنوري . له في السياحات والرياضات مقامات . ولد في سرّ من رأى ، ومات في جامع الري . له كتب مصنفة ، ونسبته إلى بيع الخوص . « طبقات الصوفية » ( ص 284 ) .
( 3 ) قوله ( الديمومية ) : السير في التوحيد لا نهاية له لأنه مشاهد وأذواق ، فإذا وصل إلى دار التفريد ، وهي البرزخ ، استمر سيره وترقيه حتى يدخل حضرة الديمومة عند ربه في دار النعيم المقيم . ( ع ) .