الرجل من ينام إلى الصباح ، فيصبح أمامها في المنزل « 1 » ، فقال ذو النون : هنيئا له ، هذا كلام لا تبلغه أحوالنا .
وقال : علامة العارف أن يكون طعامه ما وجد ، ومبيته حيث أدرك ، وشغله بربه .
وجاء رجل إلى بابه فدقه ، فقال : من تطلب ؟ قال : أبا يزيد ، فقال : ليس في البيت غير اللّه « 2 » .
ومشى خلف أبي يزيد رجل من أصحاب ذي النون المصري ، فقال له : من تطلب ؟ قال : أبا يزيد ، فقال : يا بني ! أبو يزيد يطلب أبا يزيد من أربعين سنة « 3 » ؛ فرجع إلى ذي النون وأخبره فغشي عليه .
وفي رواية : قال ذو النون : إنّ أخي أبا يزيد فقد نفسه في حبّ اللّه تعالى فصار يطلبها مع الطالبين « 4 » .
قال العارف المناوي : يشير أبو يزيد عن ذهابه عن الخلق إلى الحق بلا رجوع .
وقال : أمر اللّه العباد ونهاهم فأطاعوه ، فخلع عليهم خلعا ، فاشتغلوا عنه بالخلع ، وإني لا أريد من اللّه إلا اللّه .
وذكر عنده الزهد ، فقال : ما أهونه ، زهدت في اليوم الأول في الدنيا وما فيها ، وفي الثاني في الآخرة وما فيها ، وفي الثالث فيما سوى اللّه .
هامش
( 1 ) قوله ( في المنزل ) : لأنه سير قلبي لا يدرك ولا يلحق فكيف يسبق . ( ع ) .
( 2 ) قوله ( غير اللّه ) : أراد أن يرقي الطارق من الفرق إلى الجمع ، ليكون مقصوده - حال توجهه إلى الأسباب - إلى اللّه وحده . وفي الحديث : « إذا سألت فاسأل اللّه » . ومن كلامهم : إلهي ! أنت مقصودي ، ورضاك مطلوبي . ( ع ) .
( 3 ) قوله ( أربعين سنة ) : يخبر عن فنائه عن نفسه وحسه ، ويشير إلى بقائه بربه . ( ع ) .
( 4 ) قوله ( الطالبين ) : طلبه لها من أجل أن يقوم بحقها الواجب شرعا ، ويعطي الخلافة في الأرض حقها ، فنفسه مملوكة للّه ، وهي أقرب خلق اللّه إليه ، وهو مأمور بالإحسان إلى خلقه ، فمن هنا تعين طلبها والإحسان إليها . ( ع ) .