باليسير ، قال : أفلا أدلك على من رضي بأقلّ مما رضيت ؟ من رضي بالدنيا كلها عوضا عن الآخرة .
وقال : من خاف الوعيد قصر عليه البعيد ، ومن طال أمله ضعف عمله ، وكل آت قريب ، وكل ما شغلك عن ربك فهو عليك مشئوم .
وقال : إنّ أهل الدنيا جميعا من أهل القبور ، وإنما يفرحون بما يقدّمون ، ويندمون على ما يخلّفون ، فما عليه أهل القبور ندموا عليه أهل الدنيا يقتتلون ، وفيه يتنافسون .
وقيل له : ما تقول في رجل دخل على هؤلاء الأمراء ، فأمرهم بمعروف ونهاهم عن منكر ، قال : أخاف عليه السوء ، قيل : إنّه يقوى ، قال : أخاف عليه السيف ، قيل : إنه يقوى ، قال : أخاف عليه الداء الدفين : العجب .
وكانت النملة تدور في وجهه طولا وعرضا فلا يفطن لها من الهم والتفكر .
وقال له أبو يوسف « 1 » صاحب أبي حنيفة - رضي اللّه عنهم - : ما رأيت أحدا رضي من اللّه بمثل ما رضيت به ، قال : من رضي بالدنيا كلها عوضا عن الآخرة فقد رضي بأدون مما رضيت .
وقال محمد بن الحسن « 2 » : كنت إذا جئت أسأله عن المسألة ، فإن وقع في قلبه أنّها مما أحتاجه في أمر ديني أجابني ، وإن وقع في قلبه أنّها من مسائلنا هذه تبسم في وجهي ، وقال : إنّ لنا شغلا عن ذلك .
هامش
( 1 ) أبو يوسف : يعقوب بن إبراهيم بن حبيب ( 113 - 182 ه ) الأنصاري الكوفي البغدادي ، صاحب الإمام أبي حنيفة ، وتلميذه ، وأول من نشر مذهبه . كان فقيها ، علّامة ، من حفاظ الحديث . ولد بالكوفة ، وتفقه بالحديث والرواية ، ولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد ، ومات في خلافته ببغداد ، وهو على القضاء . « الأعلام » ( 8 / 193 ) .
( 2 ) محمد بن الحسن بن فرقد ( 131 - 189 ه ) الشيباني ، إمام بالفقه والأصول ، وهو الذي نشر علم الإمام أبي حنيفة . أصله من قرية ( حرستا ) في غوطة دمشق . ولد بواسط ، ونشأ بالكوفة ، ولاه الرشيد قضاء الرقة ثم عزله ، وخرج في صحبة الرشيد إلى خراسان فمات في الرّيّ .
« الأعلام » ( 6 / 80 ) .