وقال : ماتت امرأة بجواري ، ولم تكن لها كثير طاعة في الظاهر ، فرأيت في النوم كأنّ قائلا يقول : يا داود اطّلع في قبرها ، فاطّلعت فرأيت فيه نورا عظيما وفرشا وطيئة وسررا عالية ، فقلت : يا ربّ ! بماذا استوجبت هذه المنزلة ؟ فنوديت : يا داود ! استأنست بنا في سجدتها فآنسناها في وحدتها .
وجاءه بعض أصحابه بألفي درهم فقال : يا أبا سليمان ! هذا شيء جاءك اللّه به لم تطلبه ، وهو كما علمت حلال ، قال : إنّه لمن أمثل ما تأخذون ، قال : فما يمنعك منه ؟ قال : لعل تركه أن يكون أنجى .
وجاءه الفضيل بن عياض يوما فلم يفتح له وجلس خارج الباب ، وداود داخله يبكي ، فقيل لمحمد بن بشر : كيف لم يفتح له الباب ؟ قال : قد كان يفتح لهم فكثروا عليه فغمّوه فحجبهم كلهم ، فمن جاء كلّمه من وراء الباب .
واحتجم يوما فأعطى الحجام أجرته دينارا فقال الحجام : هذا إسراف ، فقال : لا عبادة لمن لا مروءة له .
وقال : رأيت وليا من أولياء اللّه تعالى ، فقلت له : ما غاية بلوغ محبة اللّه من قلبك ؟ فقال : لو جعل حساب الخلائق كلهم معي لسرني ذلك ، ورغبت فيه ، فقلت : ولم ذاك ؟ قال : يا داود ! وهل للعبد مقام أشرف من وقوفه بين يدي اللّه عزّ وجل وهو يشاهده ويخاطبه ، واللّه العظيم إنّ ذلك عندي أشرف الدرجات .
وقال : إياكم أن يتّخذ أحدكم في داره أكثر من زاد الراكب إلى البلاد البعيدة .
ورأى بعضهم في المنام كأنّ قائلا يقول : من يحضر ؟ من يحضر ؟ قال :
فأتيته ، فقال : ما تريد ؟ قلت : سمعتك تقول : من يحضر ؟ من يحضر ؟ فأتيتك أسألك عن معنى كلامك ؟ فقال لي : أما ترى القائم الذي يخطب على الناس ويخبرهم عن أعلى مراتب الأولياء فأدركه ، فلعلك تلحقه وتسمع كلامه قبل انصرافه ، فأتيته فإذا الناس حوله وهو يقول :
ما نال عبد من الرحمن منزلة * أعلى من الشوق إنّ الشوق محمود