قال : ثم سلّم ونزل ، فقلت لرجل إلى جنبي : من هذا ؟ قال : أما تعرفه ؟
قلت : لا ، قال : هذا داود الطائي . فتعجبت من منامي ومما رأيت منه .
وكان يقول : كفى باليقين زهدا ، وكفى بالعلم عبادة ، وكفى بالعبادة شغلا .
وقالته له مولاته : يا سيدي ! أما تشتهي الخبز ؟ فقال لها : بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية .
وسبب مرض موته أنّه مرّ بآية فيها ذكر النار ، فكررها فأصبح مريضا ، فدخل إخوانه وهو بيت على التراب وتحت رأسه لبنة ، فلمّا مات خرج في جنازته ألوف حتى ذوات الخدور ، وحمل على سريرين أو ثلاثة فإنّ السرير كان يتكسر من زحام الناس فيغير ، وصلّى عليه مرارا عديدة .
وقال محمد بن عيسى الواني « 1 » : رأيت الناس يأتون ثلاث ليال مخافة أن تفوتهم جنازة داود ، ورأيت الناس كلهم يبكون عليه ، ما شبهته إلا بيوم الخروج .
توفي سنة اثنتين وستين ومائة في السنة التي توفي فيها إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنهما . ولمّا وصلت جنازته إلى القبر قال ابن السماك : يا داود ! ما أعجب شأنك فإنك ألزمت نفسك الصمت ، حتى قويتها على العدل ، وأهنتها وإنما تريد كرامتها ، وأذللتها وإنما تريد عزّها ، ووضعتها وإنما تريد تشريفها ، وأتعبتها وإنما تريد راحتها ، وأجعتها وإنما تريد شبعها ، وأظمأتها وإنما تريد ريّها ، وخشنت الملبس وإنما تريد تليينه ، وأمتّ نفسك قبل أن تموت ، وقبرتها قبل أن تقبر ، وعذبتها قبل أن تعذّب ، وغيبتها عن الناس لكي لا تذكر ، ورغبت بنفسك عن الدنيا ، فلم تر لها قدرا ولا خطرا ، فقهت في دينك ، ثم تركت الناس جالسا ، ما أحسبك إلا قد اتبعت العابدين ، فما أصغر ما بذلت ، وما أحقر ما تركت ، في جنب ما أمّلت وطلبت ، أمّا أنت فقد ظفرت بروح
هامش
( 1 ) محمد بن عيسى الواني : لم أجده فيما توفر لي من المراجع .