ومرّ داود يوما بموضع فلما وقع نظره عليه خرّ مغشيا عليه ، فحمل إلى منزله ، فلما أفاق سئل عن ذلك ؟ فقال : تذكرت أنّي كنت اغتبت رجلا في هذا الموضع ، فذكرت مطالبته إياي بين يدي اللّه عزّ وجل ، فلم أملك نفسي لأجل ذلك .
وقدم محمد بن قحطبة « 1 » الكوفة وهو ابن عم داود ، فطلب مؤدبا يؤدب أولاده ، حافظا للقرآن ، عارفا بالسنن والآثار والفقه والنحو والتفسير والأصول والشعر وأيام الناس فقيل له : ما يجمع هذه العلوم إلا داود الطائي ، فأرسل إليه يعرض عليه ذلك ، ويسني له الأرزاق فلم يقبل ، فأرسل إليه بدرة عشرة آلاف درهم صلة فلم يقبلها ، فأرسل إليه بدرتين مع مملوكين وقال لهما : إن قبلهما فأنتما حران ، فلم يقبلهما ، فقالا له : إنّ في قبولهما عتقنا ، فقال : لكن في قبولهما رقي ورهن رقبتي في النار ، ارجعا إليه وقولا له يردهما إلى من أخذهما منه .
وصام أربعين سنة لا يعلم به أهله ، وكان خرازا ، وكان يحمل غداءه معه ويتصدّق به في الطريق ، ويرجع إلى أهله ويفطر عندهم عشاء .
ولقيه رجل فسأله عن حديث ، فقال له : دعني فإني أبادر خروج نفسي .
وكان سفيان الثوري إذا ذكر داود عظّم أمره .
وقال عبد اللّه بن المبارك « 2 » : وهل الأمر إلّا ما كان عليه داود .
وكان يقول : سبقني العابدون وقطع بي وا لهفاه .
هامش
( 1 ) محمد بن قحطبة : لم أجده فيما توفر عندي من المراجع .
( 2 ) عبد اللّه بن المبارك بن واضح ( 118 - 181 ه ) التميمي المروزي : الحافظ ، المجاهد ، التاجر ، صاحب التصانيف والرحلات . أفنى عمره في الأسفار ، وجمع الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والسخاء . كان من سكان خراسان ، مات بهيت ( على الفرات ) منصرفا من غزو الروم . « الأعلام » ( 4 / 115 ) .