تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
وقال أحمد بن ضرار العجلي : أتيت داود فوجدته في دار واسعة خربة ما فيها إلا بيت ، ليس له باب ، فقلت : يا أبا سليمان : أنت في دار وحشة ، لو اتخذت لبيتك هذا بابا ما تستوحش ، فقال : حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا وأهلها « 1 » . وكان قد ورث من أمه أربعمائة درهم ، فمكث يتقوّت بها ثلاثين عاما ، فلما نفدت جعل ينقض سقوف الدويرة فيبيعها ، حتى باع الخشب والبواري « 2 » واللّبن إلى أن بقي نصف سقف ، وكان باب داره مرقوعا قصيرا لو أنّ غلاما وثب سقط إلى الدار « 3 » . وكان الغالب عليه الحزن ، فكان يقول بالليل : إلهي ! همّك عطّل عليّ الهموم ، وحال بيني وبين الرقاد ، وشوّقني إلى النظر ، ومنعني اللذات والشهوات ، فأنا في سجنك أيها الكريم . وكان يترنم في السّحر بشيء من القرآن ، فيرى أنّ جميع نعيم الدنيا في ترنمه تلك الساعة . وكان لا يسرج سراجا أبدا . وكان يخبز له ستين رغيفا يعلقها بشريط يفطر كلّ ليلة على رغيفين بملح وماء فجاءت ليلة من الليالي مولاة له بتمر على طبق فأفطر ثم أحيا ليله ، فلما جاء وقت الإفطار ، قال جار له : سمعته يحدّث نفسه
هامش
( 1 ) قوله ( وحشة الدنيا وأهلها ) : ليس على أهل لا إله إلا اللّه وحشة في قبورهم كما ورد . ولكنّ وحدته في قبره هوّنت عليه انفراده عن الناس . ورحم اللّه ابن عطاء إذ يقول : إنما استوحش العبّاد والزّهاد من كل شيء لغيبتهم عن اللّه في كل شيء فلو شهدوه في كل شيء لم يستوحشوا من شيء . ( ع ) . ( 2 ) البواري : جمع بوريّ وباريّ وباريّة وهي : الحصير المنسوج من القصب . معرّب . « مختار » ( 137 ) . ( 3 ) قوله ( إلى الدار ) : أفسد دنياه ليصلح آخرته وليس مطالبا بحق من قبل أحد من الخلق ، فحاله له يسلّم ولا يكون قدوة حتى لا تعطل الخلافة في الأرض من حيث عمارتها واستمرارية الحياة فيها . ( ع ) .