تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
علمناه ؟ فاعتزله وتزهّد وتعبّد وانقطع لذلك ، حتى صار في المجاهدة فحلا من الفحول ، هجر الوطن ووقف المواقف التي تهول ، وثبت حيث الأقدام تزل ، والأحوال تحول . وقال محمد بن بشر : قدم علينا داود الطائي من السواد فكنا نضحك منه ، فما مات حتى سادنا . وقيل : إنما سبب توبته أنّ امرأة جاءت إلى أبي حنيفة تسأله عن مسألة ، فأجابها فأعجبت بجوابه ، ثم قالت : هذا العلم فأين العمل ، فأثّر كلامها في قلب داود ، فاعتزل وتعبّد ، فصار عظيم الشأن علما وعملا وزهدا وورعا . وأتاه بعض رفقائه في الدرس ، فقال : يا أبا سليمان جفوتنا ! فقال : ليس مجلسكم ذاك من أمر الآخرة في شيء ، أستغفر اللّه ، ثم قام وتركه . وكان إذا خرج مشى في الطرق المهجورة البعيدة ، فيقال له : الطريق من ههنا أقرب ، فيقول : فرّ من الناس فرارك من الأسد « 1 » . ومكث أربعا وستين سنة أعزب ، قال أبو سليمان الداراني « 2 » رضي اللّه عنه : فقيل له : كيف صبرت على النساء ؟ قال : قاسيت شهوتهنّ عند إدراكي سنة ، ثم ذهبت شهوتهنّ من قلبي ، قال أبو سليمان الداراني : فمن صبر عنهنّ عند إدراكه سنة لم يعرفهنّ حلالا ولا حراما « 3 » .
هامش
( 1 ) قوله ( فرارك من الأسد ) : قال الإمام الغزالي في « بداية الهداية » : من فاتته الغنيمة فليطلب السلامة في الهزيمة ، فإذا كمل حاله وتزكت نفسه أمر بالخروج إلى الناس والتكلم عليهم . ( ع ) . ( 2 ) عبد الرحمن بن أحمد بن عطية ( 000 - 215 ه ) العنسي المذحجي ، أبو سليمان : زاهد مشهور ، من أهل داريا ( بغوطة دمشق ) رحل إلى بغداد ، وأقام بها مدة ، ثم عاد إلى الشام ، وتوفي في بلده . « الأعلام » ( 3 / 293 ) . ( 3 ) قوله ( ولا حراما ) : تركه للزواج لاحتمال أنه لم تكمل شروط الباءة عنده ، أو خشي على نفسه من عدم قيامه بحقوق زوجته وأولاده من السعي والتكسب ، وكفى بذلك إثما ، فترك تلك المصلحة الكمالية في حقه خشية وقوعه في المفسدة . ( ع ) .