تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
فالماضية والباقية لا تجد لراحتهما لذة ولا لبلائهما ألما ، وإنّما الدنيا ساعة أنت فيها ، فالأسف إن صرفتك تلك الساعة عن الجنّة ، وصيرتك غدا إلى النار . وإنما اليوم إن عقلت ضيف نزل ، بل هو مرتحل عنك ، فإن أحسنت نزله وقراه شهد لك وأثنى عليك بذلك ، وصدق فيك ، وإن أسأت ضيافته ، ولم تحسن قراه جاءك في عينيك . وهما يومان بمنزلة الأخوين ، نزل بك أحدهما فأسأت إليه ، ولم تحسن فيما بينك وبينه فجاءك الآخر بعده ، فقال : إني قد جئتك بعد أخي ، وإن إحسانك يمحو سيئاتك ، ويغفر لك ما قد صنعت ، فدونك قد جئتك بعد أخي المرتحل عنك ، فقد ظفرت بخلف منه إن عقلت ، فتدارك ما قد صنعت ، وإن ألحقت الآخر بالأول فما أخلقك أن تهلك بشهادتهما عليك . وإنّ الذي قد بقي من العمر « 1 » لا ثمن له ولا عدل ، فلو اجتمعت الدنيا كلها ما عدلت يوما ولا ساعة بقي من عمر صاحبه ، فلا تبع اليوم بغير ثمنه ، ولا يكون المقبور المدفون أعظم تعظيما لما في يديك منك ، فلعمري لو أنّ مدفونا في قبره قيل له : هذه الدنيا من أولها إلى آخرها نجعلها لولدك من بعدك ، يتنعمون فيها من ورائك ، فقد كنت ليس لك همّ غيرهم أحبّ إليك أم يوم نؤثرك فيه بعمل لنفسك ؟ لاختار ذلك اليوم ، بل ولو اقتصر على ساعة لاختارها ، بل لو اقتصر على كلمة واحدة يقولها لاختار الكلمة الواحدة . فانتقد اليوم لنفسك وأبصر الساعة ، وأعظم الكلمة ، واحذر الحسرة عند نزول السكرة ، ولا تأمن أن يكون هذا الكلام حجة عليك . نفعنا اللّه وإيّاك بالموعظة ، ورزقنا خير العواقب ، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته . ووعظ - رضي اللّه عنه - أصحابه فقال : إنّ الدنيا دار عمل ، من صحبها بالبغض لها والزهادة فيها سعد بها ، ونفعته صحبتها ، ومن صحبها على الرغبة
هامش
( 1 ) قوله ( من العمر ) : وفي الحكم : ما فات من عمرك لا عوض له ، وما بقي لك منه لا قيمة له . أي لا يقوّم بشيء لنفاسته . ( ع ) .