تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
نكد ، وصفوها كدر ، وأنت منها على خطر ، إمّا نعمة زائلة ، وإمّا بلية نازلة ، وإمّا منية قاضية ، ولو كان الخالق لم يخبر عنها بخبر ، ولم يضرب لها مثلا ، ولم يأمر فيها بزهد لكان حالها قد أيقظ النائم ، ونبّه الغافل ، وكيف وقد جاء عن اللّه عزّ وجل زاجر وواعظ ، فما لها عند اللّه قدر ولا وزن ، وكيف لها وزن وهي لا تزن مقدار حصاة من الحصا ، ولا قدر ثراة « 1 » من جميع الثرى ، ولا خلق خلقا فيما بلغني أبغض إليه منها ، ولا نظر إليها منذ خلقها مقتا لها ، ولقد عرضت على نبينا محمّد صلّى اللّه عليه وسلم سيد الأولين والآخرين بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك مما له عند اللّه جناح بعوضة ، فأبى أن يقبلها ، وما منعه من القبول لها مع كونها لا تنقصه مما له عند اللّه تعالى شيئا إلّا أنه علم - صلّى اللّه عليه وسلم - أنّها أبغض الأشياء إلى اللّه ، فأبغضها لبغض مولاه إيّاها ، وصغّر شيئا صغّره اللّه ، ووضع شيئا وضعه اللّه ، ولو قبلها كان دليلا على حبه إيّاها ، ولكنه - صلّى اللّه عليه وسلم - كره أن يحب ما أبغض خالقه ، وأن يرفع ما وضع مالكه . ومما يدل على شرّ هذه الدنيا أنّ اللّه تعالى قبضها عن أنبيائه وأحبابه اختيارا ، وبسطها لغيرهم اعتبارا واغترارا ، فيظنّ المغرور بها أنّه أكرم بها ، ونسي المغرور المغبون ما صنع اللّه تعالى بأنبيائه وأحبابه صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين . أمّا محمد سيد الخلق صلّى اللّه عليه وسلم فقد شدّ الحجر على بطنه من الجوع . وأمّا موسى الكليم عليه الصلاة والسلام فرئي خضرة البقل من صفاق « 2 » بطنه من هزاله ، وما سأل اللّه تعالى يوم أوى إلى الظلّ طعاما يأكله من جوعه . ولقد جاءت الروايات عنه : أنّ اللّه تعالى أوحى إليه أن : يا موسى ! إذا رأيت الفقر مقبلا ، فقل : مرحبا بشعار الصالحين ، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل : ذنب عجّلت عقوبته .
هامش
( 1 ) ثراة : واحدة الثرى ، وهو : التراب النديّ . « مختار » ( 83 ) . ( 2 ) صفاق البطن : جلدة رقيقة تحت الجلد الأعلى وفوق اللحم . « لسان العرب » ( صفق ) .