تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
والذي نشأ في ريح الإهاب « 1 » لا يجد نتنه . ويكفي العاقل منها أنّ من مات وترك مالا سرّه أن كان فقيرا ، أو شريفا أن كان فيها وضيعا ، أو كان فيها معافى سرّه أن كان فيها مبتلى ، أو سلطانا سرّه أن كان فيها سوقة . واللّه لو كانت الدنيا من أراد منها شيئا وجده في وقته من غير تعب ، غير أنّه إذا أخذ منها شيئا لزمه حقوق اللّه تعالى فيه ، وسأله عنه وأوقفه على حسابه ، لكان ينبغي للعاقل أن لا يأخذ إلا قدر قوته حذرا من السؤال والحساب . وإنّما الدنيا إذا فكرت فيها ثلاثة أيام يوم لا ترجوه « 2 » ، ويوم أنت فيه ينبغي لك أن تغتنمه ، ويوم يأتي لا تدري أأنت من أهله أم لا ، ولا تدري لعلك تموت قبله . فأمّا أمس فحكيم مؤدّب ، وأمّا اليوم فصديق ، غير أنّ أمس وإن كان قد فجعك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمة ، وإن كنت قد أضعته فقد جاءك خلف منه قد كان عنك طويل الغيبة ، وهو الآن منك سريع الرحلة . وغدا في يديك منه أمله فخذ في العمل ، وترك الغرور بالأمل قبل حلول الأجل . وإيّاك أن تدخل على اليوم همّ غده وهمّ ما بعده ، يكفي اليوم همّه ، وغدا إذا دخل عليك دخل بشغله ، فإنّك إذا أدخلت على اليوم همّ ما بعده زدت في حزنك وتعبك ، وأردت أن يجمع لك في يومك ما يكفيك أيامك ، هيهات ! كثر الشّغل وزاد الحزن وعظم التعب ، وأضاع العبد العمل بالأمل ، ولو كان الأمل في غدك خرج من قلبك لأحسنت اليوم في عملك واقتصرت . فلأصفنّ لك الدنيا ساعة بين ساعتين « 3 » ، ساعة ماضية وساعة باقية ،
هامش
( 1 ) الإهاب : الجلد ما لم يدبغ . « مختار » ( 31 ) . ( 2 ) قوله ( يوم لا ترجوه ) : أي انقطع أملك منه لذهابه ، وهو أمسك . ( ع ) . ( 3 ) قوله ( ساعة بين ساعتين ) : قال الشاعر :ما فات مات والمؤمل غيب * ولك الساعة التي أنت فيها . ( ع )