وأما عيسى عليه الصلاة والسلام روح اللّه وكلمته ففي أمره عجيبة : كان يقول : ادمي الجوع ، وشعاري الخوف ، ولباسي الصوف ، ودابتي رجلي ، وسراجي بالليل القمر ، وصلاتي في الشتاء مشارق الشمس ، وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام ، أبيت وليس لي شيء وليس أحد أغنى مني .
وأمّا سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام فكان مع ملكه يأكل خبز الشعير في خاصته ، ويطعم أهله الخشكار « 1 » ، ويطعم الناس الدرمك « 2 » ، فإذا جنّ الليل لبس المسوح وغلّ اليد إلى العنق وبات باكيا حتى يصبح ، ويأكل الخشن من الطعام .
يفعلون ذلك قربة إلى اللّه تعالى ويبغضون ما أبغض اللّه عزّ وجلّ ، ويصغّرون ما صغّره اللّه تعالى .
ثم جاء الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الصالحين فسلكوا منهاجهم ، وألزموا أنفسهم الفكر والعبر ، ونظروا إلى آخر الدنيا وباطنها ، ولم ينظروا إلى أولها وظاهرها . ونظروا إلى عاقبة مرارتها ، ولم ينظروا إلى حلاوتها ، وألزموا أنفسهم الصبر عنها ، وأنزلوا الدنيا بمنزلة الميتة التي لا يحل الشبع منها في حال الضرورة إليها ، فأكلوا منها قدر ما ردّ النفس وأبقى الروح ومكّن النوم ، وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتدّ نتن ريحها ، فكلّ من مرّ بها أمسك على أنفه منها ، هذه منزلتها عندهم فهم يعجبون من الأكل منها شبعا ، والتلذذ بها أشرا ، ويقولون في أنفسهم : أترى هؤلاء لا يخافون من هذا الأكل ، أما يجدون ريح النتن ؟ هي واللّه يا أخي في العاقبة والعاجلة أنتن من الجيفة الموصوفة ، غير أنّ أقواما استحلوا الصبر على أكلها ، ولا يجدون ريح النتن ،
هامش
( 1 ) الخشكار : هو الرديء من كل شيء . والمقصود هنا : ما لا لبّ له من الشعير . « هامش المخطوط » ( ص 117 ) .
( 2 ) الدرمك : هو كجعفر وزنا : دقيق الحوّاريّ ، والحواري : هو لباب الدقيق . « هامش المخطوط » ( ص 117 ) .