وعن الغزالي قدّس اللّه سره : قال الحسن : يوزن مداد العلماء بدم الشهداء .
وقال : إنّ المؤمن يصبح حزينا ولا يسعه إلا ذلك ، لأنّه بين مخافتين : بين ذنب قد مضى ما يدري ما اللّه يصنع فيه ، وبين أجل قد بقي ما يدري ما يصنع فيه من المهالك .
[ كتابه إلى عمر بن عبد العزيز ]
وكتب إلى عمر بن عبد العزيز - رضي اللّه عنهما - : اعلم أنّ التفكر يدعو إلى الخير والعمل به ، والندم على الشرّ يدعو إلى تركه ، فاحذر الدنيا الصارعة الخادعة التي تزينت بخدعها ، وغرّت بغرورها وقتلت بأملها ، وتشوفت لخطّابها ، فهي كالعروس المجلية ، العيون إليها ناظرة ، والنفوس لها عاشقة ، والقلوب إليها والهة ، وهي لأزواجها كلهم قاتلة ، ما للباقي بالماضي معتبر ، ولا للآخر بما رأى من الأوّل مزدجر ، والناس فيها قسمان :
قسم قد ظفر بها فاغترّ وطغى ، ونسي بها المعاد والمبدأ ، واشتغل فيها لبّه وذهل عقله ، حتى زلّت قدمه ، وجاءته أسرع شيء كان منيته ، فعظمت ندامته ، وكبرت حسرته ، واشتدت كربته ، مع ما عالج من سكرات الموت .
وقسم مات قبل أن يظفر منها بحاجته ، فذهب بكربه وغمه ، فلم يدرك منها [ ما ] « 1 » طلب ، ولم يرح نفسه من النصب ، خرجا جميعا بغير زاد ، وقدما على غير مهاد ، فاحذرها الحذر كلّه ، فإنّها مثل الحية لين مسّها وسمّها يقتل ، وأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها ، وضع عنك همومها لما عاينت من فجائعها ، وأيقنت به من فراقها ، وكن أسرّ ما تكون فيها أحذر ما تكون لها ، فإنّ صاحبها كلّما اطمأنّ إلى سرورها أعقبته بمكروه ، وكلّما ظفر منها بشيء انقلب به ، فالسارّ فيها غارّ ، والباقي فيها غدا ضارّ ، وصل الرجا منها بالبلا ، وجعل البقاء فيها إلى الفنا ، سرورها مشرّب بالحزن ، وآخر الحياة فيها الضعف والوهن ، فانظر إليها نظر الزاهد المفارق ، أمانيها كاذبة وآمالها باطلة ، وعيشها
هامش
( 1 ) زيادة من « الحلية » ( 2 / 135 ) .