يقبّلها ويشمها ، فقالوا : ما شأنك ؟ قال : جئت بفائدة ، رأيت بشرا الحافي وضع يده على هذه البطيخة فلم أزل واقفا حتى اشتريتها بعشرين درهما أتبرك بموضع يده ، فأخذ كلّ منهم البطيخة فقبّلها ووضعها على عينيه ، فقال أحدهم : ما بلغ ببشر هذا ؟ قالوا : التقوى والعمل الصالح ، قال : إني تبت وأنا على طريقة بشر ، وقال كل منهم مثله ، وخرجوا فغزوا طرسوس فاستشهدوا ، فقال فيهم أبو علي الرودباري صاحب الترجمة :
فلاذوا به من بعد كلّ نهاية * لياذ مقرّ بالخضوع مع الجد
لعجز وتقصير عن الواجب الذي * به عرفوه للورود مع الورد
فكان لهم بالغزو في غاية المنى * شكورا لما أولاه من رتب الحمد
وكان يطعم الفقراء الحلواء ، واتخذ مرّة أحمالا من السكّر الأبيض ، ودعا جماعة من الحلوانيين حتى عملوا من ذلك السكر جدارا وعليه شرافات ومحاريب على أعمدة منقوشة كلها من السكر ، ثم دعا الصوفية فهدموها وكسروها وانتهبوها وهو يتبسم .
وكان أظرف المشايخ وأعلمهم بالطريقة ، توفي سنة عشرين أو اثنين وعشرين وثلاثمائة ، ودفن بالقرافة بقرب ضريح سيدنا ذي النون المصري « 1 » .
والرودباري : بضم الراء المهملة ، وسكون الواو ، ودال مهملة ، وموحدة مفتوحة ، آخره راء مهملة . كذا ضبطه العارف المناوي قدس اللّه روحه .
قلت : وهو نسبة إلى رودبار ، قال في « البيان النافع شرح البرهان القاطع » :
رودبار : بلدة بين جيلان وقزوين ، سميت باسم نهر هنالك اسمه رودوبار بالفارسية : عظيم ، فهو مركب مما ذكر .
هامش
( 1 ) ذو النون المصري : ثوبان بن إبراهيم ( 000 - 245 ه ) الإخميمي المصري ، أحد الزهاد العبّاد المشهورين ، من أهل مصر . نوبي الأصل من الموالي . كانت له فصاحة وحكمة وشعر . توفي بجيزة مصر . « الأعلام » ( 2 / 102 ) .