وسعه أن ينكر هذا فيقع فيه ما يقع ، وأنا لا أحبّ أن أتكلم في الجهات كلها ، لأنّ الرجل ربّما رغب في الأجر وحملته نية على السعي فيه فإن تكلمت لا أدري كيف أسلم منه .
وجاءت امرأة ومعها زوجها إليه ، فوقفت بباب المسجد وسألت الوقوف بين يدي الجنيد لتسأله عن مسألة ، فلما علم بذلك خرج إليها ، فقالت : يا سيدي ! إنّ زوجي هذا يريد أن يتزوج عليّ ، فقال الجنيد : إن لم يكن له أربع زوجات يجوز له أن يتزوج عليك ، فقالت : يا سيدي ! لو كان يجوز النظر إلى الأجانب لكشفت لك عن وجهي لتنظر إلى حسني وجمالي فتعلم أنّ من كان عنده مثلي لا ينبغي أن يتزوج عليها ، فلما سمع الجنيد هذا الكلام صاح وخرّ مغشيا عليه ، فلما أفاق سئل عن ذلك ، فقال : نظرت كأنّ الجبار جلّ جلاله يقول : لو كان يجوز لأحد أن يراني في الدنيا بعين بصره لكشفت له عن حجابي حتى يراني ليعلم أنّ من كان له رب مثلي لا ينبغي له أن يحل في قلبه سواي .
وعن علي بن أبي منصور الدينوري « 1 » قال : خرجت إلى بغداد ومعي شيء من الدنيا أريد تفرقته إلى أصحاب الجنيد وسائر الفقراء ، فوافينا بغداد ، ونزلنا في مكان ، وقصدت الجنيد لأقضي من حقه ، فدخلت عليه في منزله ، فسرّني وقرّبني بكلامه ، وحسن لقيه ، وكنت أختلف إليه دائما وأذاكره ، فلما كان ذات ليلة رأيت في منامي كأنّ الخليفة قد جاء يدعوني إلى ضيافته ، فانتبهت وحدثت صاحبي بما رأيت ، قال : ننظر ما يكون من تأويل رؤياك هذه ، فلما كان بعد الفجر إذا بالباب يطرق ، ففتحت الباب فإذا الجنيد ، فقمنا إليه وفرحنا بقدومه ، فسلّم علينا ، وجلس ساعة يحادثنا ويذاكرنا في العلم ، ثم دعانا إلى دعوة في منزله ، قال :
فتبسمت إلى صاحبي ، فقال لي الجنيد : مم تتبسم ، فقلت له صورة المنام الذي رأيته ، وإني جلست أنتظر ما يكون من تأويل رؤياي حتى دقّ الشيخ الباب ، فلما دعوتنا إلى منزلك تبسمت ، فقال الجنيد : إنّي رأيت البارحة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في
هامش
( 1 ) علي بن محمد بن سهل ( 000 - 330 ه ) أبو الحسن بن الصائغ الدينوري : من كبار المشايخ ، أقام بمصر ومات بها . وأسند الحديث . « طبقات الصوفية » ( 312 ) .