جنازة فتبعتها لأصلّي عليها ، ووقفت حتى يدفن الميت ، فوقعت عيني على امرأة مسفرة من غير تعمّد ، فألمحت بالنظر إليها فاسترجعت واستغفرت اللّه تعالى وعدت إلى منزلي ، فقالت لي عجوز : مالي أرى وجهك قد اسودّ ؟
فأخذت المرأة فنظرت فإذا وجهي أسود ، فرجعت إلى سرّي انظر من أين دهيت ؟ فقلت : من النظرة ، فانفردت في موضع أستغفر اللّه تعالى وأسأله الإقالة أربعين يوما ، فخطر في قلبي أن أزور شيخي الجنيد ، فانحدرت إلى بغداد ، فلما جئت منزله طرقت الباب ، فقال لي : ادخل يا أبا عمرو ، تذنب بالرّحبة ونستغفر لك ببغداد .
وقال الجنيد رضي اللّه عنه : دخلت على السري يوما فوجدت بين يديه رجلا قد غشي عليه ، فقال لي : هذا رجل سمع آية من كتاب اللّه فغشي عليه ، فقلت : اقرأ عليه تلك الآية ، فقرأ فأفاق ، فقال : من أين قلت هذا ؟ فقلت له : إنّ نبي اللّه يعقوب عليه الصلاة والسلام كان ضعف بصره في قميص يوسف ، وكان رجوع بصره في قميص يوسف . فاستحسن السري مني ذلك .
وسئل عن من لم يبق عليه من الدّنيا إلا مقدار مصّ نواة ، فقال : « المكاتب عبد ما بقي عليه درهم » « 1 » .
وقال أيضا : إنّك لا تصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية .
وقال : الفتوة بالشام ، واللسان بالعراق ، والصدق بخراسان .
وقال : كنت واقفا في مسجد الشونيزي أنتظر جنازة أصلّي عليها ، وهناك جمع كثير ينتظرون الجنازة ، فرأيت فقيرا عليه أثر النسك يسأل الناس شيئا ، فقلت في نفسي : لو عمل هذا عملا يصون به نفسه كان أجمل ، فلمّا انصرفت إلى منزلي ، وكان لي أوراد من الليل ، فلم أقدر على شيء منها ، فسهرت قاعدا
هامش
- يسار الحجاج إذا أرادوا مكة وقد خربت الآن . « معجم البلدان » ( 3 / 33 ) .
( 1 ) حديث « المكاتب عبد » أخرجه أبو داود في « السنن » برقم ( 3926 ) بإسناد حسن .