وقال : الخوف يقبضني ، والرجاء يبسطني ، والحقيقة تجمعني ، والحق يفرّقني « 1 » .
قال أبو بكر الرازي « 2 » : القبض والبسط حالتان فوق الخوف والرجاء ، فإنّ القبض للعارف من ثمرات الخوف ، والبسط له من ثمرات الرجاء ، والخوف والرجاء يتعلقان بأمر مستقبل مكروه ومحبوب ، والقبض والبسط بأمر حاضر في الوقت يغلب على قلب العارف من وارد غيبي ، ثم إنّ كلّا منهما قد يكون كاملا وقد يكون ناقصا ، فالقبض الكامل وارد غيبي ، كأنه يعاتب على تقصير وسوء أدب ، فيستغرق العارف في ذلك حتى ينسدّ عليه أبواب التنفس ، والقبض الناقص وارد غيبي ضعيف ، كأنه يخاطب العارف بما تتحمله قوته .
وأما البسط التام فهو وارد غيبي قوي ، كأنه يخصه بتشريف وإقبال ولطف وسرور ، فيجذبه بالكلية حتى يبقى مدهوشا في بسطه ، كأنّه قد حلّ عنه عقال الموانع ، وأطلق في ميادين الاتصاف ، وكوشف في رياض الجمال والجلال لقوّة الوارد .
وأما البسط الناقص فهو وارد غيبي ضعيف ، يؤثر في العارف سرورا ونشاطا وارتياحا تأثيرا يبقى معه فيه بقية يتصرف بها في نفسه وغيره ، فلا يؤثر فيه البسط تأثيرا كليا لنقصه ، بخلاف الأول فإنّه يؤثر فيه تأثيرا كليا لقوّته واستيلاء سلطان العناية الأزلية على قلبه .
وبسط كل شخص على حسب قبضه ، وقبضه على حسب بسطه ، وقد يحدث قبض لا يعرف سببه وعلاجه التسليم حتى يذهب ذلك الوقت ، لأنّ تكلف دفعه يخلّ بالأدب ، ويزيد في ذلك القبض ، وبالتسليم يزول عن قريب ،
هامش
( 1 ) قوله ( والحق يفرقني ) : المراد بالحق هنا الشرع المحمدي المعبّر عنه بلسان القوم الفرق النوراني قال تعالى :وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ( ع ) .
( 2 ) محمد بن عبد اللّه بن عبد العزيز بن شاذان ( 000 - 376 ه ) أبو بكر الرازي : له اعتناء زائد بعبارات القوم ، وجمع منها الكثير ، ولقي الكبار ، وله جلالة وافرة بين الصوفية . قال الذهبي : يروي عنه أبو عبد الرحمن السلمي بلايا وحكايات منكرة . « السير » ( 16 / 365 ) .